فهرس الكتاب

الصفحة 1662 من 8321

فإن قيل: فإذا حملتم قوله { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ } على إيتاء ملك النبوّة ، وجب أن تحملوا قوله { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } على أنه قد يعزل عن النبوّة من جعله نبيًا ، ومعلوم أن ذلك لا يجوز .

قلنا: الجواب من وجهين الأول: أن الله تعالى إذا جعل النبوّة في نسل رجل ، فإذا أخرجها الله من نسله ، وشرَّف بها إنسانًا آخر من غير ذلك النسل ، صح أن يقال إنه تعالى نزعها منهم ، واليهود كانوا معتقدين أن النبوّة لا بد وأن تكون في بني إسرائيل ، فلما شرف الله تعالى محمدًا A بها ، صح أن يقال: إنه ينزع ملك النبوّة من بني إسرائيل إلى العرب .

والجواب الثاني: أن يكون المراد من قوله { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاءُ } أي تحرمهم ولا تعطيهم هذا الملك لا على معنى أنه يسلبه ذلك بعد أن أعطاه ، ونظيره قوله تعالى: { الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور } [ البقرة: 257 ] مع أن هذا الكلام يتناول من لم يكن في ظلمة الكفر قط ، وقال الله تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم قالوا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } [ الأعراف: 88 ] وأولئك الأنبياء قالوا { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاءَ الله } [ الأعراف: 89 ] مع أنهم ما كانوا فيها قط ، فهذا جملة الكلام في تقرير قول من فسّر قوله تعالى: { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ } بملك النبوة .

القول الثاني: أن يكون المراد من الملك ، ما يسمى ملكًا في العرف ، وهو عبارة عن مجموع أشياء أحدها: تكثير المال والجاه ، أما تكثير المال فيدخل فيه ملك الصامت والناطق والدور والضياع ، والحرث ، والنسل ، وأما تكثير الجاه فهو أن يكون مهيبًا عند الناس ، مقبول القول ، مطاعًا في الخلق والثاني: أن يكون بحيث يجب على غيره أن يكون في طاعته ، وتحت أمره ونهيه والثالث: أن يكون بحيث لو نازعه في ملكه أحد ، قدر على قهر ذلك المنازع ، وعلى غلبته ، ومعلوم أن كل ذلك لا يحصل إلا من الله تعالى ، أما تكثير المال فقد نرى جمعًا في غاية الكياسة لا يحصل لهم مع الكد الشديد ، والعناء العظيم قليل من المال ، ونرى الأبله الغافل قد يحصل له من الأموال ما لا يعلم كميته ، وأما الجاه فالأمر أظهر ، فإنا رأينا كثيرًا من الملوك بذلوا الأموال العظيمة لأجل الجاه ، وكانوا كل يوم أكثر حقارة ومهانة في أعين الرعية ، وقد يكون على العكس من ذلك وهو أن يكون الإنسان معظمًا في العقائد مهيبًا في القلوب ، ينقاد له الصغير والكبير ، ويتواضع له القاصي والداني ، وأما القسم الثاني وهو كونه واجب الطاعة ، فمعلوم أن هذا تشريف يشرف الله تعالى به بعض عباده ، وأما القسم الثالث ، وهو حصول النصرة والظفر فمعلوم أن ذلك مما لا يحصل إلا من الله تعالى ، فكم شاهدنا من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وعند هذا يظهر بالبرهان العقلي صحة ما ذكره الله تعالى من قوله { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاءُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت