المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه الأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } [ التوبة: 67 ] وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني: ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم .
أما قوله تعالى: { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فقال القفال: المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفي من خلقه من يعلم استقامته قولًا وفعلًا ، ونظيره قوله تعالى: { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته } [ الأنعام: 124 ] وقوله { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُواْ لَنَا خاشعين } [ الأنبياء: 90 ] وفيه وجه آخر: وهو أن اليهود كانوا يقولون: نحن من ولد إبراهيم ومن آل عمران ، فنحن أبناء الله وأحباؤه ، والنصارى كانوا يقولون: المسيح ابن الله ، وكان بعضهم عالمًا بأن هذا الكلام باطل ، إلا أنه لتطييب قلوب العوام بقي مصرًا عليه ، فالله تعالى كأنه يقول: والله سميع لهذه الأقوال الباطلة منكم ، عليم بأغراضكم الفاسدة من هذه الأقوال فيجازيكم عليها ، فكان أول الآية بيانًا لشرف الأنبياء والرسل ، وآخرها تهديدًا لهؤلاء الكاذبين الذين يزعمون أنهم مستقرون على أديانهم .
واعلم أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قصصًا كثيرة: