المسألة الثالثة: المحرر الذي جعل حرًا خالصًا ، يقال: حررت العبد إذا خلصته عن الرق ، وحررت الكتاب إذا أصلحته ، وخلصته فلم تبق فيه شيئًا من وجوه الغلط ، ورجل حر إذا كان خالصًا لنفسه ليس لأحد عليه تعلق ، والطين الحر الخالص عن الرمل والحجارة والحمأة والعيوب أما التفسير فقيل مخلصًا للعبادة عن الشعبي ، وقيل: خادمًا للبيعة ، وقيل: عتيقًا من أمر الدنيا لطاعة الله ، وقيل: خادمًا لمن يدرس الكتاب ، ويعلم في البيع ، والمعنى أنها نذرت أن تجعل ذلك الولد وقفًا على طاعة الله ، قال الأصم: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا سبي ، فكان تحريرهم جعلهم أولادهم على الصفة التي ذكرنا ، وذلك لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صار بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين ، فكانوا بالنذر يتركون ذلك النوع من الانتفاع ، ويجعلونهم محررين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى ، وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة يقوم بخدمتها حتى يبلغ الحلم ، ثم يخير بين المقام والذهاب ، فإن أبى المقام وأراد أن يذهب ذهب ، وإن اختار المقام فليس له بعد ذلك خيار ، ولم يكن نبي إلا ومن نسله محرر في بيت المقدس .
المسألة الرابعة: هذا التحرير لم يكن جائزًا إلا في الغلمان أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك لما يصيبها من الحيض ، والأذى ، ثم إن حنة نذرت مطلقًا إما لأنها بنت الأمر على التقدير ، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلة إلى طلب الذكر .
المسألة الخامسة: في انتصاب قوله { مُحَرَّرًا } وجهان الأول: أنه نصب على الحال من { مَا } وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محررًا والثاني: وهو قول ابن قتيبة أن المعنى نذرت لك أن أجعل ما في بطني محررًا .
ثم قال الله تعالى حاكيًا عنها: { فَتَقَبَّلْ مِنّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } التقبل: أخذ الشيء على الرضا ، قال الواحدي: وأصله من المقابلة لأنه يقبل بالجزاء ، وهذا كلام من لا يريد بما فعله إلا الطلب لرضا الله تعالى والإخلاص في عبادته ، ثم قالت { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } والمعنى: أنك أنت السميع لتضرعي ودعائي وندائي ، العليم بما في ضميري وقلبي ونيتي .
واعلم أن هذا النوع من النذر كان في شرع بني إسرائيل وغير موجود في شرعنا ، والشرائع لا يمتنع اختلافها في مثل هذه الأحكام .
قال تعالى: { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } واعلم أن هذا الضمير إما أن يكون عائدًا إلى الأنثى التي كانت في بطنها وكان عالمًا بأنها كانت أنثى أو يقال: إنها عادت إلى النفس والنسمة أو يقال: عادت إلى المنذورة .
ثم قال تعالى: { قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } واعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها ، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها ، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت { رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى ، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها ، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار .