ثم قال الله تعالى: { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } قرأ أبو بكر عن عاصم وابن عامر { وَضَعَت } برفع التاء على تقدير أنها حكاية كلامها ، والفائدة في هذا الكلام أنها لما قالت { إِنّى وَضَعْتُهَا أنثى } خافت أن يظن بها أنها تخبر الله تعالى ، فأزالت الشبهة بقولها { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } وثبت أنها إنما قالت ذلك للاعتذار لا للاعلام ، والباقون بالجزم على أنه كلام الله ، وعلى هذه القراءة يكون المعنى أنه تعالى قال: والله أعلم بما وضعت تعظيمًا لولدها ، وتجهيلًا لها بقدر ذلك الولد ، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور ، وأن يجعله وولده آية للعالمين ، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئًا فلذلك تحسرت ، وفي قراءة ابن عباس { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } على خطاب الله لها ، أي: أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب والله هو العالم بما فيه من العجائب والآيات .
ثم قال تعالى حكاية عنها { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } وفيه قولان الأول: أن مرادها تفضيل الولد الذكر على الأنثى ، وسبب هذا التفضيل من وجوه أحدها: أن شرعهم أنه لا يجوز تحرير الذكور دون الإناث والثاني: أن الذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة ، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان والثالث: الذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة والرابع: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى والخامس: أن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى .
والقول الثاني: أن المقصود من هذا الكلام ترجيح هذه الأنثى على الذكر ، كأنها قالت الذكر مطلوبي وهذه الأنثى موهوبة الله تعالى ، وليس الذكر الذي يكون مطلوبي كالأنثى التي هي موهوبة لله ، وهذا الكلام يدل على أن تلك المرأة كانت مستغرقة في معرفة جلال الله عالمة بأن ما يفعله الرب بالعبد خير مما يريده العبد لنفسه .
ثم حكى تعالى عنها كلامًا ثانيًا وهو قولها { وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } وفيه أبحاث:
البحث الأول: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم ، فلذلك تولت الأم تسميتها ، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء .