الوجه الثاني: في تفسير أن الله تعالى تقبلها بقبول حسن ، ما روي أن حنة حين ولدت مريم لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون ، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة ، وقالت: خذوا هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم ، وكانت بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم فقال لهم زكريا: أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا لا حتى نقترع عليها ، فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها على أن كل من ارتفع قلمه فهو الراجح ، ثم ألقوا أقلامهم ثلاث مرات ، ففي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماء وترسب أقلامهم فأخذها زكريا .
الوجه الثالث: روى القفال عن الحسن أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها كما تكلم المسيح ولم تلتقم ثديًا قط ، وإن رزقها كان يأتيها من الجنة .
الوجه الرابع: في تفسير القبول الحسن أن المعتاد في تلك الشريعة أن التحرير لا يجوز إلا في حق الغلام حين يصير عاقلًا قادرًا على خدمة المسجد ، وههنا لما علم الله تعالى تضرع تلك المرأة قبل تلك الجارية حال صغرها وعدم قدرتها على خدمة المسجد ، فهذا كله هو الوجوه المذكورة في تفسير القبول الحسن .
ثم قال الله تعالى: { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } قال ابن الأنباري: التقدير أنبتها فنبتت هي نباتًا حسنًا ثم منهم من صرف هذا النبات الحسن إلى ما يتعلق بالدنيا ، ومنهم من صرفه إلى ما يتعلق بالدين ، أما الأول فقالوا: المعنى أنها كانت تنبت في اليوم مثل ما ينبت المولود في عام واحد ، وأما في الدين فلأنها نبتت في الصلاح والسداد والعفة والطاعة .
ثم قال الله تعالى: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: يقال: كفل يكفل كفالة وكفلًا فهو كافل ، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه ، وفي الحديث « أنا وكافل اليتيم كهاتين » وقال الله تعالى: { أَكْفِلْنِيهَا } .
المسألة الثانية: قرأ عاصم وحمزة والكسائي ( وكفلها ) بالتشديد ، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ ( زكرياء ) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه ، وهو الاختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى: { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } وعليه الأكثر ، وعن ابن كثير في رواية { كفلها } بكسر الفاء ، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا ، وقرأ مجاهد { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا وَأَنبَتَهَا وَكَفَّلَهَا } على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب { رَبُّهَا } كأنها كانت تدعو الله فقالت: اقبلها يا ربها ، وأنبتها يا ربها ، واجعل زكريا كافلًا لها .