المسألة الثالثة: اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، واحتجوا عليه بوجهين الأول: أنه تعالى قال: { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } ثم قال: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني: أنه تعالى قال: { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معًا .
وأما الحجة الثانية: فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة .
ثم قال الله: { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: { المحراب } الموضع العالي الشريف ، قال عمر بن أبي ربيعة:
ربة محراب إذا جئتها ... لم أدن حتى أرتقي سلما
واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } [ ص: 21 ] والتسور لا يكون إلا من علو ، وقيل: المحراب أشرف المجالس وأرفعها ، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة القول بكرامة الأولياء بهذه الآية ، ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر أن زكرياء كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا قال يا مريم: أنى لك هذا؟ قالت هو من عند الله ، فحصول ذلك الرزق عندها إما أن يكون خارقًا للعادة ، أو لا يكون ، فإن قلنا: إنه غير خارق للعادة فهو باطل من خمسة أوجه الأول: أن على هذا التقدير لا يكون حصول ذلك الرزق عند مريم دليلًا على علو شأنها وشرف درجتها وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصية ومعلوم أن المراد من الآية هذا المعنى والثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } والقرآن دل على أنه كان آيسًا من الولد بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته ، فلما رأى انخراق العادة في حق مريم طمع في حصول الولد فيستقيم قوله { هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } أما لو كان الذي شاهده في حق مريم لم يكن خارقًا للعادة لم تكن مشاهدة ذلك سببًا لطمعه في انخراق العادة بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر الثالث: أن التنكر في قوله { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } يدل على تعظيم حال ذلك الرزق ، كأنه قيل: رزقًا . أي رزق غريب عجيب ، وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية لو كان خارقًا للعادة الرابع: هو أنه تعالى قال: