أما قوله تعالى: { بِكَلِمَةٍ مّنْهُ } فلفظة { مِنْ } ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزئًا متبعضًا متحملًا للاجتماع والافتراق وكل من كان كذلك فهو محدث وتعالى الله عنه ، بل المراد من كلمة { مِنْ } ههنا ابتداء الغاية وذلك لأن في حق عيسى عليه السلام لما لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكوينه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة { الله } مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهمه النصارى والحلولية .
وأما قوله تعالى: { اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } ففيه سؤالات:
السؤال الأول: المسيح: هل هو اسم مشتق ، أو موضوع؟ .
والجواب: فيه قولان الأول: قال أبو عبيدة والليث: أصله بالعبرانية مشيحا ، فعربته العرب وغيروا لفظه ، وعيسى: أصله يشوع كما قالوا في موسى: أصله موشى ، أو ميشا بالعبرانية ، وعلى هذا القول لا يكون له اشتقاق .
والقول الثاني: أنه مشتق وعليه الأكثرون ، ثم ذكروا فيه وجوهًا الأول: قال ابن عباس: إنما سمي عيسى عليه السلام مسيحًا ، لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة ، إلا برىء من مرضه الثاني: قال أحمد بن يحيى: سمي مسيحًا لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها ، ومنه مساحة أقسام الأرض ، وعلى هذا المعنى يجوز أن يقال: لعيسى مسيح بالتشديد على المبالغة كما يقال للرجل فسيق وشريب الثالث: أنه كان مسيحًا ، لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى ، فعلى هذه الأقوال: هو فعيل بمعنى: فاعل ، كرحيم بمعنى: راحم الرابع: أنه مسح من الأوزار والآثام والخامس: سمي مسيحًا لأنه ما كان في قدمه خمص ، فكان ممسوح القدمين والسادس: سمي مسيحًا لأنه كان ممسوحًا بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ، ولا يمسح به غيرهم ، ثم قالوا: وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبيًا السابع: سمي مسيحًا لأنه مسحه جبريل A بجناحه وقت ولادته ليكون ذلك صونًا له عن مس الشيطان الثامن: سمي مسيحًا لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن ، وعلى هذه الأقوال يكون المسيح ، بمعنى: الممسوح ، فعيل بمعنى: مفعول . قال أبو عمرو بن العلاء المسيح: الملك . وقال النخعي: المسيح الصديق والله أعلم . ولعلّهما قالا ذلك من جهة كونه مدحًا لا لدلالة اللغة عليه ، وأما المسيح الدجال فإنما سمي مسيحًا لأحد وجهين أحدهما: لأنه ممسوح أحد العينين والثاني: أنه يمسح الأرض أي: يقطعها في المدة القليلة ، قالوا: ولهذا قيل له: دجال لضربه في الأرض ، وقطعه أكثر نواحيها ، يقال: قد دجل الدجال إذا فعل ذلك ، وقيل: سمي دجالًا من قوله: دجل الرجل إذا موه ولبس .