فهرس الكتاب

الصفحة 1711 من 8321

والجواب: من وجهين الأول: بينا أن الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام ، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين ، فصح وصفه بكونه كهلًا في هذا الوقت والثاني: هو قول الحسين بن الفضل البجلي: أن المراد بقوله { وَكَهْلًا } أن يكون كهلًا بعد أن ينزل من السماء في آخر الزمان ، ويكلم الناس ، ويقتل الدجال ، قال الحسين بن الفضل: وفي هذه الآية نص في أنه E سينزل إلى الأرض .

المسألة الرابعة: أنكرت النصارى كلام المسيح عليه السلام في المهد ، واحتجوا على صحة قولهم بأن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ، ولا شك أن هذه الواقعة لو وقعت لوجب أن يكون وقوعها في حضور الجمع العظيم الذي يحصل القطع واليقين بقولهم ، لأن تخصيص مثل هذا المعجز بالواحد والإثنين لا يجوز ، ومتى حدثت الواقعة العجيبة جدًا عند حضور الجمع العظيم فلا بد وأن تتوفر الدواعي على النقل فيصير ذلك بالغًا حد التواتر ، وإخفاء ما يكون بالغًا إلى حد التواتر ممتنع ، وأيضًا فلو كان ذلك لكان ذلك الإخفاء ههنا ممتنعًا لأن النصارى بالغوا في إفراط محبته إلى حيث قالوا إنه كان إلها ، ومن كان كذلك يمتنع أن يسعى في إخفاء مناقبه وفضائله بل ربما يجعل الواحد ألفًا فثبت أن لو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى ، ولما أطبقوا على إنكارها علمنا أنه ما كان موجودًا ألبتة .

أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة ، وقالوا: إن كلام عيسى عليه السلام في المهد إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة ، وكان الحاضرون جمعًا قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام ، كان جمعًا قليلًا ، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء ، وبتقدير: أن يذكروا ذلك إلا أن اليهود كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت ، فهم أيضًا قد سكتوا لهذه العلة فلأجل هذه الأسباب بقي الأمر مكتومًا مخفيًا إلى أن أخبر الله سبحانه وتعالى محمدًا A بذلك ، وأيضًا فليس كل النصارى ينكرون ذلك ، فإنه نقل عن جعفر بن أبي طالب: لما قرأ على النجاشي سورة مريم ، قال النجاشي: لا تفاوت بين واقعة عيسى ، وبين المذكور في هذا الكلام بذرة .

ثم قال تعالى: { وَمِنَ الصالحين } .

فإن قيل: كون عيسى كلمة من الله تعالى ، وكونه { وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة } وكونه من المقربين عند الله تعالى ، وكونه مكلمًا للناس في المهد ، وفي الكهولة كل واحد من هذه الصفات أعظم وأشرف من كونه صالحًا فلم ختم الله تعالى أوصاف عيسى بقوله { وَمِنَ الصالحين } ؟ .

قلنا: إنه لا رتبة أعظم من كون المرء صالحًا لأنه لا يكون كذلك إلا ويكون في جميع الأفعال والتروك مواظبًا على النهج الأصلح ، والطريق الأكمل ، ومعلوم أن ذلك يتناول جميع المقامات في الدنيا والدين في أفعال القلوب ، وفي أفعال الجوارح ، فلما ذكر الله تعالى بعض التفاصيل أردفه بهذا الكلام الذي يدل على أرفع الدرجات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت