أما قوله { وَمِنَ المقربين } ففيه وجوه أحدها: أنه تعالى جعل ذلك كالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم بواسطة هذه الصفة وثانيها: أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه عليه السلام سيرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة وثالثها: أنه ليس كل وجيه في الآخرة يكون مقربًا لأن أهل الجنة على منازل ودرجات ، ولذلك قال تعالى: { وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثلاثة } [ الواقعة: 7 ] إلى قوله { والسابقون السابقون * أُوْلَئِكَ المقربون } [ الواقعة: 10-11 ] .
أما قوله تعالى: { وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلًا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: الواو للعطف على قوله { وَجِيهًا } والتقدير كأنه قال: وجيهًا ومكلمًا للناس وهذا عندي ضعيف ، لأن عطف الجملة الفعلية على الإسمية غير جائز إلا للضرورة ، أو الفائدة والأولى أن يقال تقدير الآية { إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } الوجيه في الدنيا والآخرة المعدود من المقربين ، وهذا المجموع جملة واحدة ، ثم قال: { وَيُكَلّمُ الناس } فقوله { وَيُكَلّمُ الناس } عطف على قوله { إِنَّ الله يُبَشّرُكِ } .
المسألة الثانية: في المهد قولان أحدهما: أنه حجر أمه والثاني: هو هذا الشيء المعروف الذي هو مضجع الصبي وقت الرضاع ، وكيف كان المراد منه: فإنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ، ولا يختلف هذا المقصود سواء كان في حجر أمه أو كان في المهد .
المسألة الثالثة: قوله { وَكَهْلًا } عطف على الظرف من قوله { فِى المهد } كأنه قيل: يكلم الناس صغيرًا وكهلًا وههنا سؤالات:
السؤال الأول: ما الكهل؟ .
الجواب: الكهل في اللغة ما اجتمع قوته وكمل شبابه ، وهو مأخوذ من قول العرب اكتهل النبات إذا قوي وتم قال الأعشى:
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بحميم النبت مكتهل
أراد بالمكتهل المتناهي في الحسن والكمال .
السؤال الثاني: أن تكلمه حال كونه في المهد من المعجزات ، فأما تكلمه حال الكهولة فليس من المعجزات ، فما الفائدة في ذكره؟ .
والجواب: من وجوه الأول: أن المراد منه بيان كونه متقلبًا في الأحوال من الصبا إلى الكهولة والتغير على الإله تعالى محال ، والمراد منه الرد على وفد نجران في قولهم: إن عيسى كان إلها والثاني: المراد منه أن يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه ، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة والثالث: قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد ، وحال كونه كهلًا على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجز الرابع: قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة .
السؤال الثالث: نقل أن عمر عيسى عليه السلام إلى أن رفع كان ثلاثًا وثلاثين سنة وستة أشهر ، وعلى هذا التقدير: فهو ما بلغ الكهولة .