{ إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الاولين } [ الشعراء: 137 ] وفي العنكبوت { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } [ العنكبوت: 17 ] وفي سورة ص { إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } [ ص: 7 ] والكاذب إنما سمي خالقًا لأنه يقدر الكذب في خاطره ويصوره وثالثها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله { أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين } أي أصور وأقدر وقال تعالى في المائدة { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } [ المائدة: 110 ] وكل ذلك يدل على أن الخلق هو التصوير والتقدير ورابعها: قوله تعالى: { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعًا } [ البقرة: 29 ] وقوله { خلق } إشارة إلى الماضي ، فلو حملنا قوله { خلق } على الإيجاد والإبداع ، لكان المعنى: أن كل ما في الأرض فهو تعالى قد أوجده في الزمان الماضي ، وذلك باطل بالاتفاق ، فإذن وجب حمل الخلق على التقدير حتى يصح الكلام وهو أنه تعالى قدر في الماضي كل ما وجد الآن في الأرض ، وأما الشعر فقوله:
ولأنت تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري
وقوله:
ولا يعطي بأيدي الخالق ولا ... أيدي الخوالق إلا جيد الأدم
وأما الاستشهاد: فهو أنه يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس والخلاق المقدار من الخير ، وفلان خليق بكذا ، أي له هذا المقدار من الاستحقاق ، والصخرة الخلقاء الملساء ، لأن الملاسة استواء ، وفي الخشونة اختلاف ، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والتسوية .
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في لفظ { الخالق } قال أبو عبد الله البصري: إنه لا يجوز إطلاقه على الله في الحقيقة ، لأن التقدير والتسوية عبارة عن الظن والحسبان وذلك على الله محال ، وقال أصحابنا: الخالق ، ليس إلا الله ، واحتجوا عليه بقوله تعالى: { الله خالق كُلّ شَىْء } [ الرعد: 16 ] ومنهم من احتج بقوله { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ } [ فاطر: 3 ] وهذا ضعيف ، لأنه تعالى قال: { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء } [ فاطر: 3 ] فالمعنى هل من خالق غير الله موصوف بوصف كونه رازقًا من السماء ولا يلزم من صدق قولنا الخالق الذي يكون هذا شأنه ، ليس إلا الله ، صدق قولنا أنه لا خالق إلا الله .
وأجابوا عن كلام أبي عبد الله بأن التقدير والتسوية عبارة عن العلم والظن لكن الظن وإن كان محالًا في حق الله تعالى فالعلم ثابت .
إذا عرفت هذا فنقول: { أَنِى أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين } معناه: أصور وأقدر وقوله { كَهَيْئَةِ الطير } فالهيئة الصورة المهيئة من قولهم هيأت الشيء إذا قدرته وقوله { فَأَنفُخُ فِيهِ } أي في ذلك الطين المصور وقوله { فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع { فَيَكُونُ طائرًا } بالألف على الواحد ، والباقون { طَيْرًا } على الجمع ، وكذلك في المائدة والطير اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع .
يروى أن عيسى عليه السلام لما ادعى النبوة ، وأظهر المعجزات أخذوا يتعنتون عليه وطالبوه بخلق خفاش ، فأخذ طينًا وصوره ، ثم نفخ فيه ، فإذا هو يطير بين السماء والأرض ، قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه ، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتًا ، ثم اختلف الناس فقال قوم: إنه لم يخلق غير الخفاش ، وكانت قراءة نافع عليه . وقال آخرون: إنه خلق أنواعًا من الطير وكانت قراءة الباقين عليه .