المسألة الثانية: قال بعض المتكلمين: الآية تدل على أن الروح جسم رقيق كالريح ، ولذلك وصفها بالفتح ، ثم ههنا بحث ، وهو أنه هل يجوز أن يقال: إنه تعالى أودع في نفس عيسى عليه السلام خاصية ، بحيث متى نفخ في شيء كان نفخه فيه موجبًا لصيرورة ذلك الشيء حيًا ، أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله تعالى كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخة عيسى عليه السلام فيه على سبيل إظهار المعجزات ، وهذا الثاني هو الحق لقوله تعالى: { الذى خَلَقَ الموت والحياة } [ الملك: 2 ] وحكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قال في مناظرته مع الملك { رَبّيَ الذى يُحْىِ وَيُمِيتُ } [ البقرة: 258 ] فلو حصل لغيره ، هذه الصفة لبطل ذلك الاستدلال .
المسألة الثالثة: القرآن دلّ على أنه E إنما تولد من نفخ جبريل عليه السلام في مريم وجبريل A روح محض وروحاني محض فلا جرم كانت نفخة عيسى عليه السلام للحياة والروح .
المسألة الرابعة: قوله { بِإِذُنِ الله } معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه لقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } [ آل عمران: 145 ] أي إلا بأن يوجد الله الموت ، وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيهًا على إني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل .
واما النوع الثاني والثالث والرابع من المعجزات
فهو قوله: { وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله } .
ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي ولد أعمى ، وقال الخليل وغيره هو الذي عمي بعد أن كان بصيرًا ، وعن مجاهد هو الذي لا يبصر بالليل ، ويقال: إنه لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب «التفسير» ، وروي أنه E ربما اجتمع عليه خمسون ألفًا من المرضى من أطاق منهم أتاه ، ومن لم يطق أتاه عيسى عليه السلام ، وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ، قال الكلبي: كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات بيا حي يا قيوم وأحيا عاذر ، وكان صديقًا له ، ودعا سام بن نوح من قبره ، فخرج حيًا ، ومرّ على ابن ميت لعجوز فدعا الله ، فنزل عن سريره حيًا ، ورجع إلى أهله وولد له ، وقوله { بِإِذُنِ الله } رفع لتوهم من اعتقد فيه الإلهية .
وأما النوع الخامس
من المعجزات إخباره عن الغيوب فهو قوله تعالى حكاية عنه { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُون وَمَا تَدَّخِرُونَ فِى بُيُوتِكُمْ } وفيه مسألتان: