فهرس الكتاب

الصفحة 1724 من 8321

القول السابع: إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام ، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له ، ذابين عنه ، قالوا { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك ، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك .

ثم قال تعالى: { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أصل المكر في اللغة ، السعي بالفساد في خفية ومداجاة ، قال الزجاج: يقال مكر الليل ، وأمكر إذا أظلم ، وقال الله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } [ الأنفال: 30 ] وقال: { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } [ يوسف: 102 ] وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه ، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى: { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ } [ يونس: 71 ] فلما كان المكر رأيًا محكمًا قويًا مصونًا عن جهات النقص والفتور ، لا جرم سمي مكرًا .

المسألة الثانية: أما مكرهم بعيسى عليه السلام ، فهو أنهم هموا بقتله ، وأما مكر الله تعالى بهم ، ففيه وجوه الأول: مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ، وذلك أن يهودا ملك اليهود ، أراد قتل عيسى عليه السلام ، وكان جبريل عليه السلام ، لا يفارقه ساعة ، وهو معنى قوله { وأيدناه بِرُوحِ القدس } [ البقرة: 87 ] فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتًا فيه روزنة ، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة ، وكان قد ألقى شبهه على غيره ، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق ، فرقة قالت: كان الله فينا فذهب ، وأخرى قالت: كان ابن الله ، والأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله ، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء ، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمدًا A ، وفي الجملة ، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه .

الوجه الثاني: أن الحواريين كانوا إثنى عشر ، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم ، ودل اليهود عليه ، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى ، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم ، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام ، فكان ذلك هو مكر الله بهم .

الوجه الثالث: ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام ، فشمسوهم وعذبوهم ، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم ، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلًا من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله ، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل ، فقال: لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم ، ثم بعث إلى الحواريين ، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام ، فأخبروه فتابعهم على دينهم ، وأنزل المصلوب فغيبه ، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها ، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقًا عظيمًا ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم ، وكان اسم هذا الملك طباريس ، وهو صار نصرانيًا ، إلا أنه ما أظهر ذلك ، ثم إنه جاء بعده ملك آخر ، يقال له: مطليس ، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة ، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجرًا على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت