[ البلد: 4 ] أما الحكماء فقالوا: إنما خلق آدم عليه السلام من تراب لوجوه: الأول: ليكون متواضعًا الثاني: ليكون ستارًا الثالث: ليكون أشد التصاقًا بالأرض ، وذلك لأنه إنما خلق لخلافة أهل الأرض ، قال تعالى: { إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } [ البقرة: 30 ] الرابع: أراد إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام وابتلاهم بظلمات الضلالة ، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو ألطف الأجرام وأعطاهم كمال الشدة والقوة ، وخلق آدم عليه السلام من التراب الذي هو أكثف الأجرام ، ثم أعطاه المحبة والمعرفة والنور والهداية ، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الهواء حتى يكون خلقه هذه الأجرام برهانًا باهرًا ودليلًا ظاهرًا على أنه تعالى هو المدبر بغير احتياج ، والخالق بلا مزاج وعلاج الخامس: خلق الإنسان من تراب ليكون مطفئًا لنار الشهوة ، والغضب ، والحرص ، فإن هذه النيران لا تطفأ إلا بالتراب وإنما خلقه من الماء ليكون صافيًا تتجلى فيه صور الأشياء ، ثم إنه تعالى مزج بين الأرض والماء ليمتزج الكثيف فيصير طينًا وهو قوله { إِنّى خالق بَشَرًا مّن طِينٍ } ثم إنه في المرتبة الرابعة قال: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } والسلالة بمعنى المفعولة لأنها هي التي تسل من ألطف أجزاء الطين ، ثم إنه في المرتبة السادسة أثبت له من الصفات ثلاثة أنواع:
أحدها: أنه من صلصال والصلصال: اليابس الذي إذا حرك تصلصل كالخزف الذي يسمع من داخله صوت . والثاني: الحمأ وهو الذي استقر في الماء مدة ، وتغير لونه إلى السواد . والثالث: تغير رائحته قال تعالى: { فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } [ البقرة: 259 ] أي لم يتغير .
فهذه جملة الكلام في التوفيق بين الآيات الواردة في خلق آدم عليه السلام .
المسألة الرابعة: في الآية إشكال ، وهو أنه تعالى قال: { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فهذا يقتضي أن يكون خلق آدم متقدمًا على قول الله له { كُنَّ } وذلك غير جائز .
وأجاب عنه من وجوه الأول: قال أبو مسلم: قد بينا أن الخلق هو التقدير والتسوية ، ويرجع معناه إلى علم الله تعالى بكيفية وقوعه وإراداته لإيقاعه على الوجه المخصوص وكل ذلك متقدم على وجود آدم عليه السلام تقديمًا من الأزل إلى الأبد ، وأما قوله { كُنَّ } فهو عبارة عن إدخاله في الوجود فثبت أن خلق آدم متقدم على قوله { كُنَّ } .
والجواب الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي أنه تعالى خلقه من الطين ثم قال له { كُنَّ } أي أحياه كما قال: { ثم أنشأناه خلقًا آخر } فإن قيل الضمير في قوله خلقه راجع إلى آدم وحين كان ترابًا لم يكن آدم عليه السلام موجودًا .
أجاب القاضي وقال: بل كان موجودًا وإنما وجد بعد حياته ، وليست الحياة نفس آدم وهذا ضعيف لأن آدم عليه السلام ليس عبارة عن مجرد الأجسام المشكلة بالشكل المخصوص ، بل هو عبارة عن هوية أخرى مخصوصة وهي: إما المزاج المعتدل ، أو النفس ، وينجر الكلام من هذا البحث إلى أن النفس ما هي ، ولا شك أنها من أغمض المسائل .