فهرس الكتاب

الصفحة 1763 من 8321

ثم قال تعالى: { ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ } والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل . وههنا مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهًا الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم ، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: « كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرِّ والفاجر » الثاني: أن اليهود قالوا { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة: 18 ] والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقًا لكل من خالفهم ، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول A ، روي أن اليهود بايعوا رجالًا في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة .

المسألة الثانية: نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام . قال تعالى: { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } [ التوبة: 91 ] وقال: { وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلًا } [ النساء: 141 ] وقال: { وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ * إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس } [ الشورى: 41 42 ] .

المسألة الثالثة: { الامى } منسوب إلى الأم ، وسمي النبي A أُميًا قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل: نسب إلى مكة وهي أم القرى .

ثم قال تعالى: { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وفيه وجوه الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم .

ثم قال تعالى: { بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } .

اعلم أن في { بلى } وجهين أحدهما: أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله { لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الأميين سَبِيلٌ } فقال الله تعالى رادًا عليهم { بلى } عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال: وعندي وقف التمام على { بلى } وبعده استئناف والثاني: أن كلمة { بلى } كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على { بلى } وقوله { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ } مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في { بِعَهْدِهِ } يجوز أن يعود على اسم { الله } في قوله { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } ويجوز أن يعود على { مِنْ } لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت