فهرس الكتاب

الصفحة 1766 من 8321

قال تعالى: { وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } [ التوبة: 75 ] الآية وقال: { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولًا } [ الإسراء: 34 ] وقال: { يُوفُونَ بالنذر } [ الإنسان: 7 ] وقال: { مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } [ الأحزاب: 23 ] وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الشراء ، وذلك لأن المشتري يأخذ شيئًا ويعطي شيئًا فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر ، وأما الأيمان فحالها معلوم وهي الحلف التي يؤكد بها الإنسان خبره من وعد ، أو وعيد ، أو إنكار ، أو إثبات .

ثم قال تعالى: { أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمنًا قليلًا ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس: في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم .

فالأول: وهو قوله { أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة } إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة .

وأما الثلاثة الباقية: وهي قوله { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكّيهِمْ } فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز .

وأما الخامس: وهو قوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة:

أما الأول: وهو قوله { لاَ خلاق لَهُمْ فِى الأخرة } فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضًا بعدم العفو فإنه تعالى قال: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 48 ] .

وأما الثاني: وهو قوله { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال: { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الحجر: 92 ، 93 ] وقال: { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف: 6 ] فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية؟ قال القفال في الجواب: المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه . وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال: لا يبعد أن يكون إسماع الله جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفًا عاليًا يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم ، والمعتد هو الجواب الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت