وأما الثالث: وهو قوله تعالى: { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فهلذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية ، لأنه تعالى يراهم كما يرى غيرهم ، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماسًا لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام ، وتعالى إلهنا عن أن يكون جسمًا ، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف ( إلى ) ليس للرؤية وإلا لزم في هذه الآية أن لا يكون الله تعالى رائيًا لهم وذلك باطل .
وأما الرابع: وهو قوله { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ففيه وجوه الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له .
واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد: 23 ، 24 ] وقال: { وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } [ الأنبياء: 103 ] { نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا وَفِى الأخرة } [ فصلت: 21 ] وقد تكون بغير واسطة ، أما في الدنيا فكقوله { التائبون العابدون } [ التوبة: 112 ] وأما في الآخرة فكقوله { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] .
وأما الخامس: وهو قوله { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فاعلم أنه تعالى لما بيّن حرمانهم من الثواب بيّن كونهم في العقاب الشديد المؤلم .