فهرس الكتاب

الصفحة 1790 من 8321

والجواب: أن قوله { كَيْفَ يَهْدِى الله } مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال: { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } .

السؤال الثاني: لم سمي الكافر ظالمًا؟ .

الجواب: قال تعالى: { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان: 13 ] والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، فكان ظالمًا لنفسه .

ثم قال تعالى: { أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ خالدين فِيهَا } والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة ، على سبيل التأبيد والخلود .

واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان:

السؤال الأول: لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه؟ .

قلنا: فيه وجوه الأول: قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني: أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضًا قال تعالى: { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } [ الأعراف: 38 ] وقال: { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } [ العنكبوت: 25 ] وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث: كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال: { أَجْمَعِينَ } الرابع: وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافرًا ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك .

السؤال الثاني: قوله { خالدين فِيهَا } أي خالدين في اللعنة ، فما خلود اللعنة؟ .

قلنا: فيه وجهان الأول: أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني: أن المراد بخلود اللعن خلود أثر اللعن ، لأن اللعن يوجب العقاب ، فعبر عن خلود أثر اللعن بخلود اللعن ، ونظيره قوله تعالى: { مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْرًا * خالدين فِيهِ } [ طه: 100 ، 101 ] الثالث: قال ابن عباس قوله { خالدين فِيهَا } أي في جهنم فعلى هذا الكناية عن غير مذكور ، واعلم أن قوله { خالدين فِيهَا } نصب على الحال مما قبله ، وهو قوله تعالى: { عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله } .

ثم قال: { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } معنى الانظار التأخير قال تعالى: { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } [ البقرة: 280 ] فالمعنى أنه لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت وهذا تحقيق قول المتكلمين: إن العذاب الملحق بالكافر مضرة خالصة عن شوائب المنافع دائمة غير منقطعة ، نعوذ منه بالله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت