فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله ، فقسمها في أقاربه ، ويروى أنه جعلها بين حسّان بن ثابت وأُبي بن كعب Bهما ، وروي أن زيد بن حارثة Bه جاء عند نزول هذه الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله A أسامة ، فوجد زيد في نفسه فقال عليه السلام: « إن الله قد قبلها » واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها؟ فقال: { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } .
المسألة الثانية: للمفسرين في تفسير البر قولان أحدهما: ما به يصيرون أبرارًا حتى يدخلوا في قوله { إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ } فيكون المراد بالبر ما يحصل منهم من الأعمال المقبولة والثاني: الثواب والجنة فكأنه قال: لن تنالوا هذه المنزلة إلا بالانفاق على هذا الوجه .
أما القائلون بالقول الأول ، فمنهم من قال: { البر } هو التقوى واحتج بقوله { ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله } إلى قوله { أولئك الذين صَدَقُوا وأولئك هُمُ المتقون } [ البقرة: 177 ] وقال أبو ذر: إن البر هو الخير ، وهو قريب مما تقدم .
وأما الذين قالوا: البر هو الجنة فمنهم من قال: { لَن تَنَالُواْ البر } أي لن تنالوا ثواب البر ، ومنهم من قال: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم وتفضله عليهم ، وهو من قول الناس: برني فلان بكذا ، وبر فلان لا ينقطع عني ، وقال تعالى: { لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين } إلى قول: { أَن تَبَرُّوهُمْ } [ الممتحنة: 8 ] .
المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في قوله { مِمَّا تُحِبُّونَ } منهم من قال: إنه نفس المال ، قال تعالى: { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } [ العاديات: 8 ] ومنهم من قال: أن تكون الهبة رفيعة جيدة ، قال تعالى: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنفِقُونَ } [ البقرة: 267 ] ومنهم من قال: ما يكون محتاجًا إليه قال تعالى: { وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ مِسْكِينًا } [ الإنسان: 8 ] أحد تفاسير الحب في هذه الآية على حاجتهم إليه ، وقال: { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الحشر: 9 ] وقال عليه السلام: « أفضل الصدقة ما تصدقت به وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر » والأولى أن يقال: كل ذلك معتبر في باب الفضل وكثرة الثواب .
المسألة الرابعة: اختلف المفسرون في أن هذا الانفاق ، هل هو الزكاة أو غيرها؟ قال ابن عباس: أراد به الزكاة ، يعني حتى تخرجوا زكاة أموالكم ، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله طلب به وجه الله فإنه من الذين عنى الله سبحانه بقوله { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } حتى التمرة ، والقاضي اختار القول الأول ، واحتج عليه بأن هذا الانفاق ، وقف الله عليه كون المكلف من الأبرار ، والفوز بالجنة ، بحيث لو لم يوجد هذا الانفاق ، لم يصر العبد بهذه المنزلة ، وما ذاك إلا الانفاق الواجب ، وأقول: لو خصصنا الآية بغير الزكاة لكان أولى لأن الآية مخصوصة بإيتاء الأحب ، والزكاة الواجبة ليس فيها إيتاء الأحب ، فإنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها ، بل الصحيح أن هذه الآية مخصوصة بإيتاء المال على سبيل الندب .