المسألة الخامسة: نقل الواحدي عن مجاهد والكلبي: أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة ، وهذا في غاية البعد لأن إيجاب الزكاة كيف ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله سبحانه وتعالى .
المسألة السادسة: قال بعضهم كلمة { مِنْ } في قوله { مِمَّا تُحِبُّونَ } للتبعيض ، وقرأ عبد الله { حتى تُنفِقُواْ بَعْضِ مَا تُحِبُّونَ } وفيه إشارة إلى أن إنفاق الكل لا يجوز ثم قال: { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [ الفرقان: 67 ] وقال آخرون: إنها للتبيين .
وأما قوله: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } .
ففيه سؤال:
وهو أن يقال: قيل فإن الله به عليم على جهة جواب الشرط مع أن الله تعالى يعلمه على كل حال .
والجواب: من وجهين الأول: أن فيه معنى الجزاء تقديره: وما تنفقوا من شيء فإن الله به يجازيكم قل أم كثر ، لأنه عليم به لا يخفى عليه شيء منه ، فجعل كونه عالمًا بذلك الإنفاق كناية عن إعطاء الثواب ، والتعريض في مثل هذا الموضع يكون أبلغ من التصريح والثاني: أنه تعالى يعلم الوجه الذي لأجله يفعلونه ويعلم أن الداعي إليه أهو الإخلاص أم الرياء ويعلم أنكم تنفقون الأحب الأجود ، أم الأخس الأرذل .
واعلم أن نظير هذه الآية قوله { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } وقوله { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } [ البقرة: 270 ] قال صاحب «الكشاف» { مِنْ } في قوله { مِن شَىْء } لتبيين ما ينفقونه أي من شيء كان طيبًا تحبونه أو خبيثًا تكرهونه فإن الله به عليم يجازيكم على قدره .