المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل ، وذلك لأنه تعالى قال: { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل ، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه ، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حرامًا على بني إسرائيل والله أعلم .
أما قوله تعالى: { مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة } فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلًا لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرّمه إسرائيل على نفسه ، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعًا كثيرة ، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعًا من أنواع الطعام ، أو سلّط عليهم شيئًا لهلاك أو مضرة ، دليله قوله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } [ النساء: 160 ] .
ثم قال تعالى: { قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين } وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله A ، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجودًا من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان ، فكذبهم رسول الله A في ذلك ، وإما لأن الرسول A ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم ، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه ، فنازعوه في ذلك ، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول ، وعلى كلا الوجهين ، فالتفسير ظاهر ، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية ، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله ، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا: لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه ، لأنا نثبته بالقياس ، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي ، وإنما وقع في أن هذا الحكم ، هل كان موجودًا في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا؟ ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص ، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، بنص التوراة .
ثم قال تعالى: { فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب } الافتراء اختلاق الكذب ، والفرية الكذب والقذف ، وأصله من فرى الأديم ، وهو قطعه ، فقيل للكذب افتراء ، لأن الكاذب يقطع به في القول من غير تحقيق في الوجود .
ثم قال: { مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب ، ولم يكن محرمًا قبله { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } المستحقون لعذاب الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين .
ثم قال تعالى: { قُلْ صَدَقَ الله } ويحتمل وجوهًا أحدها: { قُلْ صَدَقَ } في أن ذلك النوع من الطعام صار حرامًا على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالًا لهم ، فصح القول بالنسخ ، وبطلت شبهة اليهود وثانيها: { صَدَقَ الله } في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه ، فثبت أن محمدًا A لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها ، فقد أفتى بملة إبراهيم وثالثها: { صَدَقَ الله } في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم .