فإن قيل: كونه أولًا في هذا الوصف يقتضي أن يكون له ثان ، وهذا يقتضي أن يكون بيت المقدس يشاركه في هذه الصفات التي منها وجوب حجه ، ومعلوم أنه ليس كذلك .
والجواب: من وجهين الأول: أن لفظ الأول: في اللغة اسم للشيء الذي يوجد ابتداء ، سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل ، يقال: هذا أول قدومي مكة ، وهذا أول مال أصبته ولو قال: أول عبد ملكته فهو حر فملك عبدًا عتق وإن لم يملك بعده عبدًا آخر ، فكذا هنا ، والثاني: أن المراد من قوله { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي أول بيت وضع لطاعات الناس وعباداتهم وبيت المقدس يشاركه في كونه بيتًا موضوعًا للطاعات والعبادات ، بدليل قوله E:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد: المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا"فهذا القدر يكفي في صدق كون الكعبة أول بيت وضع للناس ، وأما أن يكون بيت المقدس مشاركًا له في جميع الأمور حتى في وجوب الحج ، فهذا غير لازم والله أعلم .
المسألة الثانية: اعلم أن قوله { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا } يحتمل أن يكون المراد كونه أولًا في الوضع والبناء وأن يكون المراد كونه أولًا في كونه مباركًا وهدىً فحصل للمفسرين في تفسير هذه الآية قولان الأول: أنه أول في البناء والوضع ، والذاهبون إلى هذا المذهب لهم أقوال أحدها: ما روى الواحدي C تعالى في «البسيط» بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله تعالى هذا البيت قبل أن يخلق شيًا من الأرضين ، وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيًا من الأرض بألفي سنة ، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى وروي أيضًا عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عن أبيه عن النبي A قال:"إن الله تعالى بعث ملائكته فقال ابنوا لي في الأرض بيتًا على مثال البيت المعمور وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور ، وهذا كان قبل خلق آدم". وأيضًا ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر ، ومجاهد والسدي: أنه أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء ، وقد خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض تحته ، قال القفال في «تفسيره» : روى حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه قال: وجد في كتاب في المقام أو تحت المقام « أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر ، وحرمتها يوم وضعت هذين الحجرين ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء» وثانيها: أن آدم صلوات الله عليه وسلامه لما أهبط إلى الأرض شكا الوحشة ، فأمره الله تعالى ببناء الكعبة وطاف بها ، وبقي ذلك إلى زمان نوح عليه السلام ، فلما أرسل الله تعالى الطوفان ، رفع البيت إلى السماء السابعة حيال الكعبة ، يتعبد عنده الملائكة ، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك سوى من دخل من قبل فيه ، ثم بعد الطوفان اندرس موضع الكعبة ، وبقي مختفيًا إلى أن بعث الله تعالى جبريل صلوات الله عليه إلى إبراهيم عليه السلام ودله على مكان البيت ، وأمره بعمارته ، فكان المهندس جبريل والبناء إبراهيم والمعين إسماعيل عليهم السلام .