واعلم أن هذين القولين يشتركان في أن الكعبة كانت موجودة في زمان آدم عليه السلام ، وهذا هو الأصوب ويدل عليه وجوه الأول: أن تكليف الصلاة كان لازمًا في دين جميع الأنبياء عليهم السلام ، بدليل قوله تعالى في سورة مريم { أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّن حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم وإسراءيل وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينا إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءايات الرحمن خَرُّواْ سُجَّدًا وَبُكِيًّا } [ مريم: 58 ] فدلت الآية على أن جميع الأنبياء عليهم السلام كانوا يسجدون لله والسجدة لا بد لها من قبلة ، فلو كانت قبلة شيث وإدريس ونوح عليهم السلام موضعًا آخر سوى القبلة لبطل قوله { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ } فوجب أن يقال: إن قبلة أولئك الأنبياء المتقدمين هي الكعبة ، فدل هذا على أن هذه الجهة كانت أبدًا مشرفة مكرمة الثاني: أن الله تعالى سمى مكة أم القرى ، وظاهر هذا يقتضي أنها كانت سابقة على سائر البقاع في الفضل والشرف منذ كانت موجودة الثالث: روي أن النبي A قال في خطبته يوم فتح مكة « ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر » وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجود مكة الرابع: أن الآثار التي حكيناها عن الصحابة والتابعين دالة على أنها كانت موجودة قبل زمان إبراهيم عليه السلام .
واعلم أن لمن أنكر ذلك أن يحتج بوجوه الأول: ما روي أن النبي A قال: « اللّهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة » وظاهر هذا يقتضي أن مكة بناء إبراهيم عليه السلام ولقائل أن يقول: لا يبعد أن يقال البيت كان موجودًا قبل إبراهيم وما كان محرمًا ثم حرمه إبراهيم عليه السلام الثاني: تمسكوا بقوله تعالى: