{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة: 40 ] وقال: { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس } [ آل عمران: 112 ] أي بعهد ، وإنما سمي العهد حبلًا لأنه يزيل عنه الخوف من الذهاب إلى أي موضع شاء ، وكان كالحبل الذي من تمسك به زال عنه الخوف ، وقيل: إنه القرآن ، روي عن علي Bه عن النبي A أنه قال: « أما إنها ستكون فتنة » قيل: فما المخرج منها؟ قال: « كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر من بعدكم وحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين » وروي عن ابن مسعود عن النبي A أنه قال: « هذا القرآن حبل الله » وروي عن أبي سعيد الخُدْريّ عن النبي A أنه قال: « إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله تعالى حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي » وقيل: إنه دين الله ، وقيل: هو طاعة الله ، وقيل: هو إخلاص التوبة ، وقيل: الجماعة ، لأنه تعالى ذكر عقيب ذلك قوله { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وهذه الأقوال كلها متقاربة ، والتحقيق ما ذكرنا أنه لما كان النازل في البئر يعتصم بحبل تحرزًا من السقوط فيها ، وكان كتاب الله وعهده ودينه وطاعته وموافقته لجماعة المؤمنين حرزًا لصاحبه من السقوط في قعر جهنم جعل ذلك حبلًا لله ، وأمروا بالاعتصام به .
ثم قال تعالى: { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في التأويل وجوه الأول: أنه نهى عن الاختلاف في الدين وذلك لأن الحق لا يكون إلا واحدًا ، وما عداه يكون جهلًا وضلالًا ، فلما كان كذلك وجب أن يكون النهي عن الاختلاف في الدين ، وإليه الإشارة بقوله تعالى: { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } [ يونس: 32 ] والثاني: أنه نهى عن المعاداة والمخاصمة ، فإنهم كانوا في الجاهلية مواظبين على المحاربة والمنازعة فنهاهم الله عنها الثالث: أنه نهى عما يوجب الفرقة ويزيل الألفة والمحبة .
واعلم أنه روي عن النبي A أنه قال: « ستفترق أمتي على نيف وسبعين فرقة الناجي منهم واحد والباقي في النار فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ قال الجماعة » وروي « السواد الأعظم » وروي « ما أنا عليه وأصحابي » والوجه المعقول فيه: أن النهي عن الاختلاف والأمر بالاتفاق يدل على أن الحق لا يكون إلا واحدًا ، وإذا كان كذلك كان الناجي واحدًا .
المسألة الثانية: استدلت نفاة القياس بهذه الآية ، فقالوا: الأحكام الشرعية إما أن يقال: إنه سبحانه نصب عليها دلائل يقينية أو نصب عليها دلائل ظنية ، فإن كان الأول امتنع الاكتفاء فيها بالقياس الذي يفيد الظن ، لأن الدليل الظني لا يكتفى به في الموضع اليقيني ، وإن كان الثاني كان الأمر بالرجوع إلى تلك الدلائل الظنية يتضمن وقوع الاختلاف ووقوع النزاع ، فكان ينبغي أن لا يكون التفرق والتنازع منهيًا عنه ، لكنه منهي عنه لقوله تعالى: { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } وقوله { وَلاَ تنازعوا } ولقائل أن يقول: الدلائل الدالة على العمل بالقياس تكون مخصصة لعموم قوله { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } ولعموم قوله { وَلاَ تنازعوا } والله أعلم .