فهرس الكتاب

الصفحة 1827 من 8321

ثم قال تعالى: { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } واعلم أن نعم الله على الخلق إما دنيوية وإما أُخروية وإنه تعالى ذكرهما في هذه الآية ، أما النعمة الدنيوية فهي قوله تعالى: { إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قيل إن ذلك اليهودي لما ألقى الفتنة بين الأوس والخَزْرَج وهَمَّ كلُّ واحد منهما بمحاربة صاحبه ، فخرج الرسول A ولم يزل يرفق بهم حتى سكنت الفتنة وكان الأوس والخزرج أخوين لأب وأم ، فوقعت بينهما العداوة ، وتطاولت الحروب مئة وعشرين سنة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام ، فالآية إشارة إليهم وإلى أحوالهم ، فإنهم قبل الإسلام كان يحارب بعضهم بعضًا ويبغض بعضهم بعضًا ، فلما أكرمهم الله تعالى بالإسلام صاروا إخوانًا متراحمين متناصحين وصاروا إخوة في الله: ونظير هذه الآية قوله { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرض جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [ الأنفال: 63 ] .

واعلم أن كل من كان وجهه إلى الدنيا كان معاديًا لأكثر الخلق ، ومن كان وجهه إلى خدمة الله تعالى لم يكن معاديًا لأحد ، والسبب فيه أنه ينظر من الحق إلى الخلق فيرى الكل أسيرًا في قبضة القضاء والقدر فلا يعادي أحدًا ، ولهذا قيل: إن العارف إذا أمر أمر برفق ويكون ناصحًا لا يعنف ويعير فهو مستبصر بسر الله في القدر .

المسألة الثانية: قال الزَّجّاج: أصل الأخ في اللُّغة من التوخي وهو الطلب ، فالأخ مقصده مقصد أخيه ، والصديق مأخوذ من أن يصدق كل واحد من الصديقين صاحبه ما في قلبه ، ولا يخفي عنه شيئًا وقال أبو حاتم قال أهل البصرة: الاخوة في النسب والإخوان في الصداقة ، قال وهذا غلط ، قال الله تعالى: { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات: 10 ] ولم يعن النسب ، وقال: { أَوْ بُيُوتِ إخوانكم } [ النور: 61 ] وهذا في النسب .

المسألة الثالثة: قوله { فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا } يدل على أن المعاملات الحسنة الجارية بينهم بعد الإسلام إنما حصلت من الله ، لأنه تعالى خلق تلك الداعية في قلوبهم وكانت تلك الداعية نعمة من الله مستلزمة لحصول الفعل ، وذلك يبطل قول المعتزلة في خلق الأفعال ، قال الكعبي: إن ذلك بالهداية والبيان والتحذير والمعرفة والألطاف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت