{ أَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة: 40 ] وهذا قول الحسن البصري ، واحتج عليه بما روي أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله: إن أناسًا من أهل الكتاب يحدثوننا بما يعجبنا فلو كتبناه ، فغضب A وقال:"أمتهوكون أنتم يا ابن الخطاب كما تهوكت اليهود"، قال الحسن: متحيرون مترددون"أما والذي نفسي بيده لقد أتيتكم بها بيضاء نقية"وفي رواية أخرى قال عند ذلك:"إنكم لم تكلفوا أن تعملوا بما في التوراة والإنجيل وإنما أمرتم أن تؤمنوا بهما وتفوضوا علمهما إلى الله تعالى ، وكلفتم أن تؤمنوا بما أنزل علي في هذا الوحي غدوةً وعشيًا والذي نفس محمد بيده لو أدركني إبراهيم وموسى وعيسى لآمنوا بي واتبعوني"فهذا الخبر يدل على أن الثبات على هذا الدين واجب وعدم التعلق بغيره واجب ، فلا جرم مدحهم الله في هذه الآية بذلك فقال: { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } .
القول الثالث: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } أي مستقيمة عادلة من قولك: أقمت العود فقام بمعنى استقام ، وهذا كالتقرير لقوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } .
الصفة الثانية: قوله تعالى: { يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ( يتلون ويؤمنون ) في محل الرفع صفتان لقوله { أُمَّة } أي أمة قائمة تالون مؤمنون .
المسألة الثانية: التلاوة القراءة وأصل الكلمة من الاتباع فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ اللفظ .
المسألة الثالثة: آيات الله قد يراد بها آيات القرآن ، وقد يراد بها أصناف مخلوقاته التي هي دالة على ذاته وصفاته والمراد ههنا الأولى .
المسألة الرابعة: { ءاناء الليل } أصلها في اللغة الأوقات والساعات وواحدها إنا ، مثل: معى وأمعاء وإنى مثل نحى وإنحاء ، مكسور الأول ساكن الثاني ، قال القفال C ، كأن الثاني مأخوذ منه لأنه انتظار الساعات والأوقات ، وفي الخبر أن النبي A قال للرجل الذي أخر المجيء إلى الجمعة"آذيت وآنيت"أي دافعت الأوقات .
الصفة الثالثة: قوله تعالى: { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وفيه وجوه الأول: يحتمل أن يكون حالًا من التلاوة كأنهم يقرؤن القرآن في السجدة مبالغة في الخضوع والخشوع إلا أن القفال C روى في «تفسيره» حديثًا: أن ذلك غير جائز ، وهو قوله عليه السلام:"ألا إني نهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا"الثاني: يحتمل أن يكون كلامًا مستقلًا والمعنى أنهم يقومون تارة يبتغون الفضل والرحمة بأنواع ما يكون في الصلاة من الخضوع لله تعالى وهو كقوله { وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّدًا وقياما } [ الفرقان: 64 ] وقوله { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء اليل ساجدا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } [ الزمر: 9 ] قال الحسن: يريح رأسه بقدميه وقدميه برأسه ، وهذا على معنى إرادة الراحة وإزالة التعب وإحداث النشاط الثالث: يحتمل أن يكون المراد بقوله { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أنهم يصلون وصفهم بالتهجد بالليل والصلاة تسمى سجودًا وسجدة وركوعًا وركعة وتسبيحًا وتسبيحة ، قال تعالى: