فهرس الكتاب

الصفحة 1853 من 8321

{ وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } [ آل عمران: 133 ] وأيضًا العجلة ليست مذمومة على الإطلاق بدليل قوله تعالى: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى } [ طه: 84 ] .

الصفة الثامنة: قوله { وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } والمعنى وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم ، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول ، أما القرآن ، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم { وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين } [ الأنبياء: 86 ] وذكر حكاية عن سليمان عليه السلام أنه قال: { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل: 19 ] وقال: { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } [ التحريم: 4 ] وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد ، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد ، سواء كان ذلك في العقائد ، أو في الأعمال ، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون ، فقد حصل الصلاح ، فكان الصلاح دالًا على أكمل الدرجات .

ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات الثمانية قال: { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بالياء على المغايبة ، لأن الكلام متصل بما قبله من ذكر مؤمني أهل الكتاب ، يتلون ويسجدون ويؤمنون ويأمرون وينهون ويسارعون ، ولن يضيع لهم ما يعلمون ، والمقصود أن جهال اليهود لما قالوا لعبد الله بن سلاّم إنكم خسرتم بسبب هذا الإيمان ، قال تعالى بل فازوا بالدرجات العظمى ، فكان المقصود تعظيمهم ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال ، ثم هذا وإن كان بحسب اللفظ يرجع إلى كل ما تقدم ذكره من مؤمني أهل الكتاب ، فإن سائر الخلق يدخلون فيه نظرًا إلى العلة .

وأما الباقون فإنهم قرؤا بالتاء على سبيل المخاطبة فهو ابتداء خطاب لجميع المؤمنين على معنى أن أفعال مؤمني أهل الكتاب ذكرت ، ثم قال: وما تفعلوا من خير معاشر المؤمنين الذين من جملتكم هؤلاء ، فلن تكفروه ، والفائدة أن يكون حكم هذه الآية عامًا بحسب اللفظ في حق جميع المكلفين ، ومما يؤكد ذلك أن نظائر هذه الآية جاءت مخاطبة لجميع الخلائق من غير تخصيص بقوم دون قوم كقوله { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } [ البقرة: 197 ] { وما تفعلوا من خير يوف إليكم } { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله } وأما أبو عمرو فالمنقول عنه أنه كان يقرأ هذه الآية بالقراءتين .

المسألة الثانية: { فَلَنْ تكفروه } أي لن تمنعوا ثوابه وجزاءه وإنما سمي منع الجزاء كفر لوجهين الأول: أنه تعالى سمى إيصال الثواب شكرًا قال الله تعالى: { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت