فهرس الكتاب

الصفحة 1868 من 8321

{ إِذَا تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ والرسول يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } [ آل عمران: 153 ] وشج وجه الرسول A وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ، ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وسعد ، ووقعت الصيحة في العسكر أن محمدًا قد قتل ، وكان رجل يكنى أبا سفيان من الأنصار نادى الأنصار وقال: هذا رسول الله ، فرجع إليه المهاجرون والأنصار ، وكان قتل منهم سبعون وكثر فيهم الجراح ، فقال A: « رحم الله رجلًا ذب عن إخوانه » وشد على المشركين بمن معه حتى كشفهم عن القتلى والجرحى والله أعلم .

والمقصود من القصة أن الكفار كانوا ثلاثة آلاف والمسلمون كانوا ألفًا وأقل ، ثم رجع عبد الله بن أُبي مع ثلثمائة من أصحابه فبقي الرسول A مع سبعمائة ، فأعانهم الله حتى هزموا الكفار ، ثم لما خالفوا أمر الرسول واشتغلوا بطلب الغنائم انقلب الأمر عليهم وانهزموا ووقع ما وقع ، وكل ذلك يؤكد قوله تعالى: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } [ آل عمران: 120 ] وأن المقبل من أعانه الله ، والمدبر من خذله الله .

المسألة الرابعة: يقال: بوأته منزلًا وبوأت له منزلًا أي أنزلته فيه ، والمباءة والباءة المنزل وقوله { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أي مواطن ومواضع ، وقد اتسعوا في استعمال المقعد والمقام بمعنى المكان ، ومنه قوله تعالى: { فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } [ القمر: 55 ] وقال: { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } [ النمل: 39 ] أي من مجلسك وموضع حكمك وإنما عبر عن الأمكنة ههنا بالمقاعد لوجهين الأول: وهو أنه عليه السلام أمرهم أن يثبتوا في مقاعدهم لا ينتقلوا عنها ، والقاعد في مكان لا ينتقل عنه فسمى تلك الأمكنة بالمقاعد ، تنبيهًا على أنهم مأمورون بأن يثبتوا فيها ولا ينتقلوا عنها ألبتة والثاني: أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدو فيقوموا عند الحاجة إلى المحاربة فسميت تلك الأمكنة بالمقاعد لهذا الوجه .

المسألة الخامسة: قوله { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىء المؤمنين مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } يروى أنه عليه السلام غدا من منزل عائشة Bها فمشى على رجليه إلى أحد ، وهذا قول مجاهد والواقدي ، فدل هذا النص على أن عائشة Bها كانت أهلًا للنبي A وقال تعالى: { الطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات } [ النور: 26 ] فدل هذا النص على أنها مطهرة مبرأة عن كل قبيح ، ألا ترى أن ولد نوح لما كان كافرًا قال: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود: 46 ] وكذلك امرأة لوط .

ثم قال تعالى: { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي سميع لأقوالكم عليم بضمائركم ونياتكم ، فإنا ذكرنا أنه عليه السلام شاور أصحابه في ذلك الحرب ، فمنهم من قال له: أقم بالمدينة ، ومنهم من قال: اخرج إليهم ، وكان لكل أحد غرض آخر فيما يقول ، فمن موافق ، ومن مخالف فقال تعالى: أنا سميع لما يقولون عليم بما يضمرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت