فهرس الكتاب

الصفحة 1869 من 8321

ثم قال تعالى: { إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: العامل في قوله { إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } فيه وجوه الأول: قال الزجاج: العامل فيه التبوئة ، والمعنى كانت التبوئة في ذلك الوقت الثاني: العامل فيه قوله { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } الثالث: يجوز أن يكون بدلًا من { إِذْ غَدَوْتَ } .

المسألة الثانية: الطائفتان حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس لما انهزم عبد الله بن أُبي همت الطائفتان باتباعه ، فعصمهم الله ، فثبتوا مع الرسول A ، ومن العلماء من قال: إن الله تعالى أبهم ذكرهما وستر عليهما ، فلا يجوز لنا أن نهتك ذلك الستر .

المسألة الثالثة: الفشل: الجبن والخور ، فإن قيل: الهم بالشيء هو العزم ، فظاهر الآية يدل على أن الطائفتين عزمتا على الفشل والترك وذلك معصية فكيف بهما أن يقال والله وليهما؟ .

والجواب: الهم قد يراد به العزم ، وقد يراد به الفكر ، وقد يراد به حديث النفس ، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده ووفور عدده ، لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن يفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب ، فكان قوله { إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ } لا يدل على أن معصية وقعت منهما ، وأيضًا فبتقدير أن يقال: إن ذلك معصية لكنها من باب الصغائر لا من باب الكبائر ، بدليل قوله تعالى: { والله وَلِيُّهُمَا } فإن ذلك الهم لو كان من باب الكبائر لما بقيت ولاية الله لهما .

ثم قال تعالى: { والله وَلِيُّهُمَا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عبد الله { والله وَلِيُّهُمَا } كقوله { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } [ الحجرات: 9 ] .

المسألة الثانية: في المعنى وجوه الأول: أن المراد منه بيان أن ذلك الهم ما أخرجهما عن ولاية الله تعالى الثاني: كأنه قيل: الله تعالى ناصرهما ومتولي أمرهما فكيف يليق بهما هذا الفشل وترك التوكل على الله تعالى؟ الثالث: فيه تنبيه على أن ذلك الفشل إنما لم يدخل في الوجود لأن الله تعالى وليهما فأمدهما بالتوفيق والعصمة ، والغرض منه بيان أنه لولا توفيقه سبحانه وتسديده لما تخلص أحد عن ظلمات المعاصي ، ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى بعده هذه الآية { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } .

فإن قيل: ما معنى ما روي عن بعضهم عند نزول هذه الآية أنه قال: والله ما يسرنا أنا لم نهم بما همت الطائفتان به ، وقد أخبرنا الله تعالى بأنه وليهما؟ .

قلنا: معنى ذلك فرط الاستبشار بما حصل لهم من الشرف بثناء الله تعالى ، وإنزاله فيهم آية ناطقة بصحة الولاية ، وأن تلك الهمة ما أخرجتهم عن ولاية الله تعالى .

ثم قال: { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } التوكل: تفعل ، من وكل أمره إلى فلان إذا عتمد فيه كفايته عليه ولم يتوله بنفسه ، وفي الآية إشارة إلى أنه ينبغي أن يدفع الإنسان ما يعرض له من مكروه وآفة بالتوكل على الله ، وأن يصرف الجزع عن نفسه بذلك التوكل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت