فهرس الكتاب

الصفحة 1901 من 8321

{ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } [ البقرة: 252 ] وقوله: { ياأيها الرسول بَلّغْ } [ المائدة: 67 ] وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله:

لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول

أي برسالة ، قال: ومن هذا قوله تعالى: { إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ } [ طه: 47 ] ونذكره في موضعه ان شاء الله تعالى ثم قال: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله: هل زيد قائم ، فأنت إنما تستخبر عن قيامه ، إلا أنك أدخلت هل على الاسم والله أعلم .

المسألة الثانية: أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال: { إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } [ الزمر: 30 ] وقال: { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } [ المائدة: 67 ] وقال: { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } [ الصف: 9 ] فليس لقائل أن يقول: لما علم أنه لا يقتل فلم قال { أو قتل } ؟ فان الجواب عنه من وجوه: الأول: أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فانك تقول: ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان ، وقال تعالى: { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } [ الأنبياء: 22 ] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا ههنا . والثاني: ان هذا ورد على سبيل الالزام ، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه ، فكذا ههنا ، والثالث: ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لانه فارق بين الأمرين ، فلما رجع الى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد .

المسألة الثالثة: قوله: { انقلبتم على أعقابكم } أي صرتم كفارا بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد الى ما كان عليه رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين: ان كان محمد قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الأنصار: ان كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد . وحاصل الكلام أنه تعالى بين أن قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين: الأول: بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم ، والثاني: أن الحاجة الى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة اليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: ليس لقائل أن يقول: إن قوله: { أفإن مات أو قتل } شك وهو على الله تعالى لا يجوز ، فإنا نقول: المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت