فهرس الكتاب

الصفحة 1934 من 8321

المسألة الرابعة: المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد ، وهو المراد بقوله: { إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأرض } والخارج إلى الغزو ، وهو المراد بقوله: { أَوْ كَانُواْ غُزًّى } إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو ، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فإذا قيل للمرء: إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وان تقحمت أحدهما وصلت الى الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد .

فان قيل: فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه؟

قلنا: لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه ، اذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وإن كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض .

المسألة الخامسة: في الآية إشكال وهو أن قوله: { وَقَالُواْ لإخوانهم } يدل على الماضي ، وقوله: { إِذَا ضَرَبُواْ } يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟ بل لو قال: وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال .

والجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: { قَالُواْ } تقديره: يقولون فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا ، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: أحدهما: أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى: { أتى أَمْرُ الله } [ النحل: 1 ] وقال: { إِنَّكَ مَيّتٌ } [ الزمر: 30 ] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع .

الفائدة الثانية: إنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الإخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ، فهذا هو الجواب المعتمد عندي ، والله أعلم .

الوجه الثاني في الجواب: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية ، والمعنى أن إخوانهم اذا ضربوا في الارض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وان يقول: قالوا ، فهذا هو المراد بقولنا: خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت