فهرس الكتاب

الصفحة 1935 من 8321

الوجه الثالث: قال قطرب: كلمة «اذ» واذا ، يجوز اقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى ، وأقول: هذا الذي قاله قطرب كلام حسن ، وذلك لأنا اذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول ، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم ، كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال «إذ» حقيقة في المستقبل ، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة «إذ» من المشابهة الشديدة؟ وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن ، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به ، وأنا شديد التعجب منهم ، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته ، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى .

المسألة السادسة: { غُزًّى } جمع غاز ، كالقول والركع والسجد ، جمع قائل وراكع وساجد ، ومثله من الناقص «عفا» ويجوز أيضا: غزاة ، مثل قضاة ورماة في جمع القاضي والرامي ، ومعنى الغزو في كلام العرب قصد العدو ، والمغزى المقصد .

المسألة السابعة: قال الواحدي: في الآية محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا ، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فقوله: { مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } يدل على موتهم وقتلهم .

ثم قال تعالى: { لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } وفيه وجهان: الأول: أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، مثل ما يقال: ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى: { فالتقطه ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } [ القصص: 8 ] إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها: الأول: أن أقارب ذلك المقتول اذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم ، لان أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو لبقي ، فذلك الشخص انما مات أو قتل بسبب أن هذا الانسان قصر في منعه ، فيعتقد السامع لهذا الكلام انه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله ، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه ، أما المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه ، لم يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة .

الوجه الثاني: ان المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى اخوانهم تثبطوا عن الغزو والجهاد وتخلفوا عنه ، فاذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو ، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الاعداء . والفوز بالأماني ، بقي ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة .

الوجه الثالث: أن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات ، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت