المسألة الثالثة: ذهب الأكثرون الى أن ( ما ) في قوله: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله } صلة زائدة ومثله في القرآن كثير ، كقوله: { عَمَّا قَلِيلٍ } و { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ } [ ص: 11 ] { فَبِمَا نَقْضِهِم } [ النساء: 155 ، المائدة: 13 ] { مما خطيئاتهم } [ نوح: 25 ] قالوا: والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه ، قال تعالى: { فَلَمَّا أَن جَاء البشير } [ يوسف: 96 ] أراد فلما جاء ، فأكد بأن ، وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر ، وههنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة ، تغليظا في القول ، ولا خشونة في الكلام ، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي ، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد ، فقيل: فبأي رحمة من الله لنت لهم ، وهذا هو الأصوب عندي .
المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد E رحيما بالأمة ، فاذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه ، والذي يقرر ذلك وجوه: أحدها: أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئًا من ذلك ، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة ، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله: وثانيها: أن كل رحيم سوى الله تعالى فانه يستفيد برحمته عوضا ، إما هربا من العقاب ، أو طلبا للثواب ، أو طلبا للذكر الجميل ، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية ، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه ، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم ، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه ، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة ، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض ، فلا رحمة إلا لله ، وثالثها: أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء ، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء ، وهي ليست إلا من الله تعالى ، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله ، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما ، قال عليه السلام: « الراحمون يرحمهم الرحمن » وقال في صفة محمد عليه السلام: { بالمؤمنين رؤوفٌ رَّحِيمٌ } [ التوبة: 128 ] ثم قال تعالى: { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } .
واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد A أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل .