فهرس الكتاب

الصفحة 1943 من 8321

المسألة الأولى: قال الواحدي: C تعالى: الفظ ، الغليظ الجانب السيء الخلق ، يقال: فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ ، وأصله فظظ ، كقوله: حذر من حذرت ، وفرق من فرقت ، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب ، وأصله صبب ، وأما «الفض» بالضاد فهو تفريق الشيء ، وانفض القوم تفرقوا ، قال تعالى: { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا } [ الجمعة: 11 ] ومنه: فضضت الكتاب ، ومنه يقال: لا يفضض الله فاك .

فان قيل: ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب؟

قلنا: الفظ الذي يكون سيء الخلق ، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء ، فقد لا يكون الانسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم ، فظهر الفرق من هذا الوجه .

المسألة الثانية: أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله الى الخلق ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه ، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما ، يتجاوز عن ذنبهم ، ويعفو عن إساءتهم ، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة ، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق ، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب ، بل يكون كثير الميل الى إعانة الضعفاء ، كثير القيام بإعانة الفقراء ، كثير التجاوز عن سيآتهم ، كثير الصفح عن زلاتهم ، فلهذا المعنى قال: { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة . وحمل القفال C هذه الآية على واقعة أحد قال: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القلب } وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك ، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام ، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم .

المسألة الثالثة: اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض الى إهمال حق من حقوق الله ، فأما إذا أدى الى ذلك لم يجز ، قال تعالى: { ياأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ } [ التوبة: 73 ] وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا: { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله } [ النور: 2 ] .

وههنا دقيقة أخرى: وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية ، وأمره بالغلظة في قوله: { واغلظ عَلَيْهِمْ } فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين ، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين ، فهو كقوله: { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } [ المائدة: 54 ] وقوله: { أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح: 29 ] وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان ، والفضيلة في الوسط ، فورود الأمر بالتغليظ تارة ، وأخرى بالنهي عنه ، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط ، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم ، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت