{ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } [ البقرة: 143 ] .
ثم قال تعالى: { فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء: أولها: بالعفو عنهم وفيه مسائل .
المسألة الأولى: أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى ، قال عليه السلام:"تخلقوا بأخلاق الله"ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله .
المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : ( فاعف عنهم ) فيما يتعلق بحقك ( واستغفر لهم ) فيما يتعلق بحق الله تعالى .
المسألة الثالثة: ظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى: { فاعف عَنْهُمْ } يدل على التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال ، وهذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم .
واعلم أن قوله: { فاعف عَنْهُمْ } إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه فقال تعالى: { والعافين عَنِ الناس } [ آل عمران: 134 ] ليعلم أن حسنات الأبرار سيآت المقربين . وثانيها: قوله تعالى: { واستغفر لَهُمُ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر ، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى: { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } إلى قوله: { فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله } [ الأنفال: 16 ] فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله A في هذه الآية بالعفو عنهم ، ثم أمره بالاستغفار لهم ، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا .
المسألة الثانية: قوله تعالى: { واستغفر لَهُمُ } أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر ، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه ، لأن ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمدًا A في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى .
المسألة الثالثة: أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله: { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } [ آل عمران: 155 ] ثم أمر محمدًا A في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له: يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها: قوله تعالى: { وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمر } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: يقال: شاورهم مشاورة وشوارًا ومشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله: