فهرس الكتاب

الصفحة 1977 من 8321

[ البقرة: 55 ] وهم لم يفعلوا ذلك وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنه أضيف اليهم لمتابعتهم لهم على تصويبهم في تلك الأفعال فكذا ههنا يجوز أن يضاف القول إلى الجماعة الراضين بقول ذلك الواحد . الثاني: وهو قول ابن عباس ، ومحمد بن إسحاق: أن ركبا من عبد القيس مروا بأبي سفيان ، فدسهم إلى المسلمين ليجبنوهم وضمن لهم عليه جعلا . الثالث: قال السدي: هم المنافقون ، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بعد لميعاد أبي سفيان: القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا الأكثرين منكم ، فان ذهبتهم إليهم لم يبق منكم أحد .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: { إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } المراد بالناس هو أبو سفيان وأصحابه ورؤساء عسكره ، وقوله: { قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } أي جمعوا لكم الجموع ، فحذف المفعول لأن العرب تسمي الجيش جمعا ويجمعونه جموعا ، وقوله: { فاخشوهم } أي فكونوا خائفين منهم ، ثم انه تعالى أخبر أن المسلمين لما سمعوا هذا الكلام لم يلتفتوا اليه ولم يقيموا له وزنا ، فقال تعالى: { فَزَادَهُمْ إيمانا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الضمير في قوله: { فَزَادَهُمْ } إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: عائد إلى الذين ذكروا هذه التخويفات . والثاني: أنه عائد إلى نفس قولهم ، والتقدير: فزادهم ذلك القول إيمانا ، وإنما حسنت هذه الاضافة لأن هذه الزيادة في الايمان لما حصلت عند سماع هذا القول حسنت إضافتها إلى هذا القول وإلى هذا القائل ، ونظيره قوله تعالى: { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَارًا } [ نوح: 6 ] وقوله تعالى: { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } [ فاطر: 42 ]

المسألة الثانية: المراد بالزيادة في الايمان أنهم لما سمعوا هذا الكلام المخوف لم يلتفتوا اليه ، بل حدث في قلوبهم عزم متأكد على محاربة الكفار ، وعلى طاعة الرسول A في كل ما يأمر به وينهى عنه ثقل ذلك أو خف ، لأنه قد كان فيهم من به جراحات عظيمة ، وكانوا محتاجين إلى المداواة ، وحدث في قلوبهم وثوق بأن الله ينصرهم على أعدائهم ويؤيدهم في هذه المحاربة ، فهذا هو المراد من قوله تعالى: { فَزَادَهُمْ إيمانا } .

المسألة الثالثة: الذين يقولون إن الايمان عبارة لا عن التصديق بل عن الطاعات ، وإنه يقبل الزيادة والنقصان ، احتجوا بهذه الآية ، فانه تعالى نص على وقوع الزيادة ، والذين لا يقولون بهذا القول قالوا: الزيادة إنما وقعت في مراتب الايمان وفي شعائره ، فصح القول بوقوع الزيادة في الايمان مجازا .

المسألة الرابعة: هذه الواقعة تدل دلالة ظاهرة على أن الكل بقضاء الله وقدره ، وذلك لأن المسلمين كانوا قد انهزموا من المشركين يوم أحد ، والعادة جارية بأنه إذا انهزم أحد الخصمين عن الآخر فانه يحصل في قلب الغالب قوة وشدة استيلاء ، وفي قلب المغلوب انكسار وضعف ، ثم انه سبحانه قلب القضية ههنا ، فأودع قلوب الغالبين وهم المشركون الخوف والرعب ، وأودع قلوب المغلوبين القوة والحمية والصلابة ، وذلك يدل على أن الدواعي والصوارف من الله تعالى ، وإنها متى حدثت في القلوب وقعت الأفعال على وفقها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت