ثم قال تعالى: { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل } والمراد أنهم كلما ازدادوا إيمانا في قلوبهم أظهروا ما يطابقه فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل . قال ابن الانباري: { حَسْبُنَا الله } أي كافينا الله ، ومثله قول امرىء القيس:
وحسبك من غنى شبع وري ... أي يكفيك الشبع والري ، وأما ( الوكيل ) ففيه أقوال: أحدها: أنه الكفيل . قال الشاعر:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... بَرِدِّ الأمور الماضيات وكيل
اراد كأنني برد الأمور كفيل . الثاني: قال الفراء: الوكيل: الكافي ، والذي يدل على صحة هذا القول أن «نعم» سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقًا للذي قبلها ، تقول: رازقنا الله ونعم الرازق ، وخالقنا الله ونعم الخالق ، وهذا أحسن من قول من يقول: خالقنا الله ونعم الرازق ، فكذا ههنا تقدير الآية: يكفينا الله ونعم الكافي . الثالث: الوكيل ، فعيل بمعنى مفعول ، وهو الموكول اليه ، والكافي والكفيل يجوز أن يسمى وكيلا ، لأن الكافي يكون الأمر موكولا إليه ، وكذا الكفيل يكون الأمر موكولا إليه .
ثم قال تعالى: { فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ } وذلك أن النبي A خرج والمعنى: وخرجوا فانقلبوا ، فحذف الخروج لأن الانقلاب يدل عليه ، كقوله: { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } [ الشعراء: 63 ] أي فضرب فانفلق ، وقوله: { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله وَفَضْلٍ } قال مجاهد والسدي: النعمة ههنا العافية ، والفضل التجارة ، وقيل: النعمة منافع الدنيا ، والفضل ثواب الآخرة ، وقوله: { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } لم يصبهم قتل ولا جراح في قول الجميع { واتبعوا رضوان الله } في طاعة رسوله { والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا ، وفي ذلك إلقاء الحسرة في قلوب المتخلفين عنهم وإظهار لخطأ رأيهم حيث حرموا أنفسهم مما فاز به هؤلاء ، وروي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا ، فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم .
واعلم أن أهل المغازي اختلفوا ، فذهب الواقدي إلى تخصيص الآية الأولى بواقعة حمراء الأسد ، والآية الثانية ببدر الصغرى ، ومنهم من يجعل الآيتين في وقعة بدر الصغرى ، والأول أولى لأن قوله تعالى: { مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } كأنه يدل على قرب عهد بالقرح ، فالمدح فيه أكثر من المدح على الخروج على العدو من وقت إصابة القرح لمسه ، والقول الآخر أيضا محتمل . والقرح على هذا القول يجب أن يفسر بالهزيمة ، فكأنه قيل: إن الذين انهزموا ثم أحسنوا الأعمال بالتوبة واتقوا الله في سائر أمورهم ، ثم استجابوا لله وللرسول عازمين على الثواب موطنين أنفسهم على لقاء العدو ، بحيث لما بلغهم كثرة جموعهم لم يفتروا ولم يفشلوا ، وتوكلوا على الله ورضوا به كافيًا ومعينًا فلهم أجر عظيم لا يحجبهم عنه ما كان منهم من الهزيمة إذ كانوا قد تابوا عنها والله أعلم .