فهرس الكتاب

الصفحة 1994 من 8321

والوجه الرابع: أن موسى E لما طلب منهم أن يوافقوه في مجاهدة الأعداء قالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون . فموسى عليه السلام لما طلب منهم الجهاد بالنفس قالوا: لما كان الاله قادرا فأي حاجة به الى جهادنا ، وكذا ههنا أن محمدا E لما طلب منهم الجهاد ببذل المال قالوا: لما كان الإله غنيا فأي حاجة به الى أموالنا . فكان إسنادهم هذه الشبهة الى اليهود لائقا من هذا الوجه ، وإن كان لا يمتنع أن يكون غيرهم من الجهال قد قال ذلك . والأظهر أنهم قالوه على سبيل الطعن في نبوة محمد A ، يعني لو صدق محمد في أن الاله يطلب المال من عبيده لكان فقيرا ، ولما كان ذلك محالا ثبت أنه كاذب في هذا الإخبار ، أو ذكروه على سبيل الاستهزاء والسخرية ، فأما أن يقول العاقل مثل هذا الكلام عن اعتقاد فهو بعيد .

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أنه تعالى سميع للأقوال ، ونظيره قوله تعالى: { قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ } [ المجادلة: 1 ] .

المسألة الثالثة: ظاهر الآية يدل على أن قائل هذا القول كانوا جماعة ، لأنه تعالى قال: { الذين قَالُواْ } وظاهر هذا القول يفيد الجميع . وأما ما روي أن قائل هذا القول هو فنحاص اليهودي ، فهذا يدل على أن غيره لم يقل ذلك ، فلما شهد الكتاب أن القائلين كانوا جماعة وجب القطع بذلك .

ثم قال تعالى: { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة { سيكتب } بالياء وضمها على ما لم يسم فاعله { الله وَقَتْلِهِمُ الأنبياء } برفع اللام على معنى سيكتب قتلهم ، والباقون بالنون وفتح اللام إضافة اليه تعالى . قال صاحب «الكشاف» : وقرأ الحسن والأعرج { سيكتب } بالياء وتسمية الفاعل .

المسألة الثانية: هذا وعيد على ذلك القول وهو يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون المراد من كتبه عليهم إثبات ذلك عليهم وأن لا يلغى ولا يطرح ، وذلك لأن الناس إذا أرادوا إثبات الشيء على وجه لا يزول ولا ينسى ولا يتغير كتبوه ، والله تعالى جعل الكتبة مجازا عن إثبات حكم ذلك عليهم . الثاني: سنكتب ما قالوا في الكتب التي تكتب فيها أعمالهم ليقرؤا ذلك في جرائد أعمالهم يوم القيامة ، والثالث: عندي فيه احتمال آخر ، وهو أن المراد: سنكتب عنهم هذا الجهل في القرآن حتى يعلم الخلق الى يوم القيامة شدة تعنت هؤلاء وجهلهم وجهدهم في الطعن في نبوة محمد A بكل ما قدروا عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت