ثم قال: { وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ } أي ونكتب قتلهم الأنبياء بغير حق ، وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الفائدة في ضم أنهم قتلوا الأنبياء إلى أنهم وصفوا الله تعالى بالفقر ، هي بيان أن جهل هؤلاء ليس مخصوصًا بهذا الوقت ، بل هم منذ كانوا ، مصرون على الجهالات والحماقات .
المسألة الثانية: في إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء وجهان: أحدهما: سنكتب ما قال هؤلاء ونكتب ما فعله أسلافهم فنجازي الفريقين بما هو أهله ، كقوله تعالى: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } أي قتلها أسلافكم { وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } [ البقرة: 49 ] { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } [ البقرة: 50 ] والفاعل لهذه الأشياء هو أسلافهم ، والمعنى أنه سيحفظ على الفريقين معًا أقوالهم وأفعالهم .
والوجه الثاني: سنكتب على هؤلاء ما قالوا بأنفسهم ، ونكتب عليهم رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين . وعن الشعبي أن رجلا ذكر عنده عثمان Bه وحسن قتله ، فقال الشعبي: صرت شريكا في دمه ، ثم قرأ الشعبي { قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِى بالبينات وبالذى قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } [ آل عمران: 183 ] فنسب لهؤلاء قتلهم وكان بينهما قريب من سبعمائة سنة .
ثم قال تعالى: { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ حمزة { سيكتب } على لفظ ما لم يسم فاعله { وَقَتْلِهِمُ الأنبياء } برفع اللام { وَيِقُولُ ذُوقُواْ } بالياء المنقطة من تحت ، والباقون { سَنَكْتُبُ وَنَقُولُ } بالنون .
المسألة الثانية: المراد أنه تعالى ينتقم من هذا القائل بأن يقول له ذق عذاب الحريق ، كما أذقت المسلمين الغصص ، والحريق هو المحرق كالأليم بمعنى المؤلم .
المسألة الثالثة: يحتمل أن يقال له هذا القول عند الموت أو عند الحشر أو عند قراءة الكتاب ويحتمل أن يكون هذا كناية عن حصول الوعيد ، وإن لم يكن هناك قول:
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إنهم أوردوا سؤالا وهو أن من يطلب المال من غيره كان فقيرا محتاجا ، فلو طلب الله المال من عبيده لكان فقيرا وذلك محال ، فوجب أن يقال: إنه لم يطلب المال من عبيده ، وذلك يقدح في كون محمد E صادقا في ادعاء النبوة فهو هو شبهة القوم فأين الجواب عنها؟ وكيف يحسن ذكر الوعيد على ذكرها قبل ذكر الجواب عنها؟
فنقول: إذا فرعنا على قول أصحابنا من أهل السنة والجماعة قلنا: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ، فلا يبعد أن يأمر الله تعالى عبيده ببذل الأموال مع كونه تعالى أغنى الاغنياء .
وإن فرعنا على قول المعتزلة في أنه تعالى يراعي المصالح لم يبعد أن يكون في هذا التكليف أنواع من المصالح العائدة إلى العباد: منها: أن إنفاق المال يوجب زوال حب المال عن القلب ، وذلك من أعظم المنافع ، فانه اذا مات فلو بقي في قلبه حب المال مع أنه ترك المال لكان ذلك سببا لتألم روحه بتلك المفارقة ، ومنها: أن يتوسل بذلك الانفاق الى الثواب المخلد المؤبد ، ومنها: أن بسبب الانفاق يصير القلب فارغا عن حب ما سوى الله ، وبقدر ما يزول عن القلب حب غير الله فانه يقوى في حب الله ، وذلك رأس السعادات ، وكل هذه الوجوه قد ذكرها الله في القرآن وبينها مرارًا وأطوارا ، كما قال: