{ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا } [ الكهف: 46 ] وقال: { والآخرة خَيْرٌ وأبقى } [ الأعلى: 17 ] وقال: { ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } [ التوبة: 72 ] وقال: { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } [ يونس: 58 ] فلما تقدم ذكر هذه الوجوه على الاستقصاء كان إيراد هذه الشبهة بعد تقدم هذه البينات محض التعنت ، فلهذا اقتصر الله تعالى عند ذكرها على مجرد الوعيد .
ثم قال تعالى: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد ذكر سببه فقال: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي هذا العذاب المحرق جزاء فعلكم حيث وصفتم الله وأقدمتم على قتل الأنبياء ، فيكون هذا العقاب عدلا لا جورا .
المسألة الثانية: قال الجبائي: الآية تدل على أن فعل العقاب بهم كان يكون ظلما بتقدير أن لا يقع منهم تلك الذنوب ، وفيه بطلان قول المجبرة: ان الله يعذب الأطفال بغير جرم ، ويجوز أن يعذب البالغين بغير ذنب ، ويدل على كون العبد فاعلا ، وإلا لكان الظلم حاصلا .
والجواب: ان ما ذكرتم معارض بمسألة الداعي ومسألة العلم على ما شرحناه مرارًا وأطوارا .
المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت: 46 ] يفيد نفي كونه ظلاما ، ونفي الصفة يوهم بقاء الأصل ، فهذا يقتضي ثبوت أصل الظلم .
أجاب القاضي عنه بأن العذاب الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلما لكان عظيما ، فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتا ، وهذا يؤكد ما ذكرنا أن إيصال العقاب اليهم يكون ظلما لو لم يكونوا مذنبين .
المسألة الرابعة: اعلم أن ذكر الأيدي على سبيل المجاز ، لأن الفاعل هو الانسان لا اليد ، إلا أن اليد لما كانت آلة الفعل حسن إسناد الفعل اليها على سبيل المجاز ، ثم في هذه الآية ذكر اليد بلفظ الجمع فقال: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } وفي آية أخرى ذكر بلفظ التثنية فقال: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج: 10 ] والكل حسن متعارف في اللغة .