فاليوم قد بت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب
وأنشد أيضا:
نعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف
والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون إثبات هذه اللغة بهذين البيتين المجهولين ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد ، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلف في علم القرآن . واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى بقوله A:"لا تحلفوا بآبائكم"فإذا عطفت الأرحام على المكنى عن اسم الله اقتضى ذلك جواز الحلف بالارحام ، ويمكن الجواب عنه بأن هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهلية لأنهم كانوا يقولون: أسألك بالله والرحم ، وحكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لا تنافي ورود النهي عنه في المستقبل ، وأيضًا فالحديث نهي عن الحلف بالآباء فقط ، وههنا ليس كذلك ، بل هو حلف بالله أولا ثم يقرن به بعده ذكر الرحم ، فهذا لا ينافي مدلول ذلك الحديث ، فهذا جملة الكلام في قراءة قوله: { والأرحام } بالجر . أما قراءته بالنصب ففيه وجهان: الأول: وهو اختيار أبي علي الفارسي وعلي بن عيسى أنه عطف على موضع الجار والمجرور كقوله:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا ... والثاني: وهو قول أكثر المفسرين: أن التقدير: واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج ، وعلى هذا الوجه فنصب الأرحام بالعطف على قوله: { الله } أي: اتقوا الله واتقوا الأرحام أي اتقوا حق الأرحام فصلوها ولا تقطعوها قال الواحدي C: ويجوز أيضًا أن يكون منصوبا بالاغراء ، أي والأرحام فاحفظوها وصلوها كقولك: الأسد الأسد ، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم ، ويدل على وجوب صلتها . وأما القراءة بالرفع فقال صاحب «الكشاف» : الرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: والأرحام كذلك على معنى والأرحام مما يتقى ، أو والأرحام مما يتساءل به .
المسألة الثالثة: أنه تعالى قال أولا: { اتقوا رَبَّكُمُ } ثم قال بعده: { واتقوا الله } وفي هذا التكرير وجوه: الأول: تأكيد الأمر والحث عليه كقولك للرجل: اعجل اعجل فيكون أبلغ من قولك: اعجل الثاني: أنه أمر بالتقوى في الأول لمكان الإنعام بالخلق وغيره ، وفي الثاني أمر بالتقوى لمكان وقوع التساؤل به فيما يلتمس البعض من البعض . الثالث: قال أولا: { اتقوا رَبَّكُمُ } وقال ثانيا: { واتقوا الله } والرب لفظ يدل على التربية والإحسان ، والاله لفظ يدل على القهر والهيبة ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب كما قال: { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } [ السجدة: 16 ] وقال: { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } [ الأنبياء: 90 ] كأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته لأنه شديد العقاب عظيم السطوة .
المسألة الرابعة: اعلم أن التساؤل بالله وبالأرحام قيل هو مثل أن يقال: بالله أسألك ، وبالله أشفع إليك ، وبالله أحلف عليك ، إلى غير ذلك مما يؤكد المرء به مراده بمسألة الغير ، ويستعطف ذلك الغير في التماس حقه منه أو نواله ومعونته ونصرته ، وأما قراءة حمزة فهي ظاهرة من حيث المعنى ، والتقدير: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ، لأن العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيره بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم ، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم ، وكان يكتب المشركون الى رسول الله A: نناشدك الله والرحم أن لا تبعث الينا فلانا وفلانا ، وأما القراءة بالنصب فالمعنى يرجع الى ذلك ، والتقدير: واتقوا الله واتقوا الأرحام ، قال القاضي: وهذا أحد ما يدل على أنه قد يراد باللفظ الواحد المعاني المختلفة ، لأن معنى تقوى الله مخالف لمعنى تقوى الأرحام ، فتقوى الله إنما يكون بالتزام طاعته واجتناب معاصيه ، واتقاء الأرحام بأن توصل ولا تقطع فيما يتصل بالبر والافضال والاحسان ، ويمكن أن يجاب عنه بأنه تعالى لعله تكلم بهذه اللفظة مرتين ، وعلى هذا التقدير يزول الاشكال .