المسألة الثانية: إنما وحد النفس لأن المراد به بيان موقع الفعل ، وذلك يحصل بالواحد ومثله عشرون درهما . قال الفراء: لو جمعت كان صوابا كقوله: { الأخسرين أعمالا } [ الكهف: 103 ] .
المسألة الثالثة: من: في قوله: { مِنْهُ } ليس للتبعيض ، بل للتبيين والمعنى عن شيء من هذا الجنس الذي هو مهر كقوله: { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج: 30 ] وذلك أن المرأة لو طابت نفسها عن جميع المهر حل للزوج أن يأخذه بالكلية .
المسألة الرابعة: منه: أي من الصدقات أو من ذلك وهو كقوله تعالى: { قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } [ آل عمران: 15 ] بعد ذكر الشهوات . وروي أنه لما قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له: الضمير في قوله «كأنه» ان عاد إلى الخطوط كان يجب أن تقول: كأنها ، وان عاد إلى السواد والبلق كان يجب أن تقول: كأنهما ، فقال: أردت كأن ذاك ، وفيه وجه آخر وهو أن الصدقات في معنى الصداق لأنك لو قلت: وآتوا النساء صداقهن لكان المقصود حاصلا ، وفيه وجه ثالث: وهو أن الفائدة في تذكير الضمير أن يعود ذلك إلى بعض الصداق ، والغرض منه ترغيبها في أن لا تهب إلا بعض الصداق .
المسألة الخامسة: معنى الآية: فان وهبن لكم شيئا من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن ، أو سوء معاشرتكم معهن ، فكلوه وأنفقوه ، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب ، ووجوب الاحتياط ، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال: { فَإِن طِبْنَ } ولم يقل: فان وهبن أو سمحن ، إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة .
المسألة السادسة: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ ، إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ، وقيل: الهنىء ما يستلذه الآكل ، والمريء ما يحمد عاقبته ، وقيل: ما ينساغ في مجراه ، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه . وحكى الواحدي عن بعضهم أن أصل الهنيء من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران ، فالهنيء شفاء من الجرب ، قال المفسرون: المعنى انهن إذا وهبن مهورهن من أزواجهن عن طيبة النفس لم يكن على الأزواج في ذلك تبعة لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وبالجملة فهو عبارة عن التحليل ، والمبالغة في الاباحة وإزالة التبعة .
المسألة السابعة: قوله: { هَنِيئًا مَّرِيئًا } وصف للمصدر ، أي أكلا هنيئا مريئا ، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء ، وقد يوقف على قوله: { فَكُلُوهُ } ثم يبتدأ بقوله: { هَنِيئًا مَّرِيئًا } على الدعاء وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل: هنأ مرأ .
المسألة الثامنة: دلت هذه الآية على أمور: منها: ان المهر لها ولا حق للولي فيه ، ومنها جواز هبتها المهر للزوج ، وجواز أن يأخذه الزوج ، لأن قوله: { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } يدل على المعنيين ، ومنها جواز هبتها المهر قبل القبض ، لأن الله تعالى لم يفرق بين الحالتين .