{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والاقربون } [ النساء: 7 ] فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال: { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } .
المسألة الرابعة: قال القفال: قوله: { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم } أي يقول الله لكم قولا يوصلكم الى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الايصاء هو الايصال يقال: وصى يصي اذا وصل ، وأوصى يوصي اذا أوصل ، فاذا قيل: أوصاني فمعناه أوصلني الى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج: معنى قوله ههنا: { يُوصِيكُمُ } أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق ذلكم وصاكم بِهِ } ولا شك في كون ذلك واجبا علينا .
فان قيل: انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا: { يُوصِيكُمُ الله فِى أولادكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } .
قلنا: لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله: { يُوصِيكُمُ الله } خبرا مستأنفا وقال: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الانثيين } ونظيره قوله تعالى: { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الفتح: 29 ] أي قال الله: لهم مغفرة لأن الوعد قول .
المسألة الخامسة: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال E:"فاطمة بضعة مني"فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم .
واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والاناث معا ، وإما أن يخلف الاناث فقط ، أو الذكور فقط .
القسم الأول: ما اذا خلف الذكران والاناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه بقوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } .
واعلم أن هذا يفيد أحكاما: أحدهما: اذا خلف الميت ذكرًا واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها: إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الاناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم . وثالثها: إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } يفيد هذه الأحكام الكثيرة .
القسم الثاني: ما إذا مات وخلف الاناث فقط: بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال: الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج عليه بأنه تعالى قال: { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } وكلمة «إن» في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعدًا ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين .