فهرس الكتاب

الصفحة 2090 من 8321

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: ما معنى «أو» ههنا وهلا قيل: من بعد وصية يوصى بها ودين ، والجواب من وجهين: الأول: أن «أو» معناها الاباحة كما لو قال قائل: جالس الحسن أو ابن سيرين والمعنى أن كل واحد منهما أهل أن يجالس ، فان جالست الحسن فأنت مصيب ، أو ابن سيرين فأنت مصيب ، وإن جمعتهما فأنت مصيب ، أما لو قال: جالس الرجلين فجالست واحدا منهما وتركت الآخر كنت غير موافق للأمر ، فكذا ههنا لو قال: من بعد وصية ودين وجب في كل مال أن يحصل فيه الأمران ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، أما اذا ذكره بلفظ «أو» كان المعنى أن أحدهما إن كان فالميراث بعده ، وكذلك إن كان كلاهما . الثاني: أن كلمة «أو» اذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو كقوله: { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِمًا أَوْ كَفُورًا } [ الإنسان: 24 ] وقوله: { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايا أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } [ الأنعام: 146 ] فكانت «أو» ههنا بمعنى الواو ، فكذا قوله تعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال إلا أن يكون هناك وصية أو دين فيكون المراد بعدهما جميعا .

المسألة الرابعة: قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم { يُوصِى } بفتح الصاد على ما لم يسم فاعله . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الصاد إضافة إلى الموصى وهو الاختيار بدليل قوله تعالى: { مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ } .

قوله تعالى: { وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } .

اعلم أن هذا كلام معترض بين ذكر الوارثين وأنصبائهم وبين قوله: { فَرِيضَةً مّنَ الله } ومن حق الاعتراض أن يكون ما اعترض مؤكدا ما اعترض بينه ومناسبه ، فنقول: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد وأنصباء الأبوين ، وكانت تلك الأنصباء مختلفة والعقول لا تهتدي إلى كمية تلك التقديرات ، والانسان ربما خطر بباله أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح ، لا سيما وقد كانت قسمة العرب للمواريث على هذا الوجه ، وانهم كانوا يورثون الرجال الأقوياء ، وما كانوا يورثون الصبيان والنسوان والضعفاء ، فالله تعالى أزال هذه الشبهة بأن قال: إنكم تعلمون أن عقولكم لا تحيط بمصالحكم ، فربما اعتقدتم في شيء أنه صالح لكم وهو عين المضرة وربما اعتقدتم فيه أنه عين المضرة ويكون عين المصلحة ، وأما الاله الحكيم الرحيم فهو العالم بمغيبات الأمور وعواقبها ، فكأنه قيل: أيها الناس اتركوا تقدير المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم ، وكونوا مطيعين لأمر الله في هذه التقديرات التي قدرها لكم ، فقوله: { وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } اشارة إلى ترك ما يميل اليه الطبع من قسمة المواريث على الورثة ، وقوله: { فَرِيضَةً مّنَ الله } اشارة إلى وجوب الانقياد لهذه القسمة التي قدرها الشرع وقضى بها ، وذكروا في المراد من قوله: { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وجوها: الأول: المراد أقرب لكم نفعا في الآخرة ، قال ابن عباس: إن الله ليشفع بعضهم في بعض ، فأطوعكم لله D من الأبناء والآباء أرفعكم درجة في الجنة ، وإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله اليه ولده بمسألته ليقر بذلك عينه ، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله إليه والديه ، فقال: { لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } لأن أحدهما لا يعرف أن انتفاعه في الجنة بهذا أكثر أم بذلك . الثاني: المراد كيفية انتفاع بعضهم ببعض في الدنيا من جهة ما أوجب من الانفاق عليه والتربية له والذب عنه والثالث: المراد جواز أن يموت هذا قبل ذلك فيرثه وبالضد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت