فهرس الكتاب

الصفحة 211 من 8321

{ أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبًّا ، ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقًّا } [ عبس: 25 ، 26 ] الآيات . المثال الثالث: أنه وضع الأفلاك والكواكب بحيث صارت أسبابًا لحصول مصالح العباد ، فخلق الليل ليكون سببًا للراحة والسكون وخلق النهار ليكون سببًا للمعاش والحركة { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق } [ يونس: 5 ] { وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظلمات البر والبحر } [ الأنعام: 97 ] واقرأ قوله: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا والجبال أَوْتَادًا } [ النبأ: 5 ، 6 ] إلى آخر الآية واعلم أنك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة ، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة ، وعند ذلك يظهر لك قطرة من بحار أسرار قوله الحمد لله رب العالمين .

الفائدة الخامسة: أضاف الحمد إلى نفسه فقال تعالى الحمد لله ، ثم أضاف نفسه إلى العالمين والتقدير: إني أحب الحمد فنسبته إلى نفسي بكونه ملكًا لي ثم لما ذكرت نفسي عرفت نفسي بكوني ربًا للعالمين ، ومن عرف ذاتًا بصفة فإنه يحاول ذكر أحسن الصفات وأكملها ، وذلك يدل على أن كونه ربًا للعالمين أكمل الصفات ، والأمر كذلك؛ لأن أكمل المراتب أن يكون تامًا ، وفوق التمام ، فقولنا الله يدل على كونه واجب الوجود لذاته في ذاته وبذاته وهو التمام ، وقوله رب العالمين معناه أن وجود كل ما سواه فائض عن تربيته وإحسانه وجوده وهو المراد من قولنا أنه فوق التمام .

الفائدة السادسة: أنه يملك عبادًا غيرك كما قال: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } [ المدثر: 31 ] وأنت ليس لك رب سواه ، ثم أنه يربيك كأنه ليس له عبد سواك وأنت تخدمه كأن لك ربًا غيره ، فما أحسن هذه التربية أليس أنه يحفظك في النهار عن الآفات من غير عوض ، وبالليل عن المخافات من غير عوض؟ واعلم أن الحراس يحرسون الملك كل ليلة ، فهل يحرسونه عن لدغ الحشرات وهل يحرسونه عن أن تنزل به البليات؟ أما الحق تعالى فإنه يحرسه من الآفات ، ويصونه من المخافات؛ بعد أن كان قد زج أول الليل في أنواع المحظورات وأقسام المحرمات والمنكرات ، فما أكبر هذه التربية وما أحسنها ، أليس من التربية أنه A قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت