فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 8321

"الآدمي بنيان الرب ، ملعون من هدم بنيان الرب"؛ فلهذا المعنى قال تعالى: { قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم باليل والنهار مِنَ الرحمن } [ الأنبياء: 42 ] ما ذاك إلا الملك الجبار ، والواحد القهار ، ومقلب القلوب والأبصار ، والمطلع على الضمائر والأسرار .

الفائدة السابعة: قالت القدرية: إنما يكون تعالى ربًا للعالمين ومربيًا لهم لو كان محسنًا إليهم دافعًا للمضار عنهم ، أما إذا خلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه؛ ويأمر بالإيمان ثم يمنعه منه؛ لم يكن ربًا ولا مربيًا ، بل كان ضارًا ومؤذيًا ، وقالت الجبرية: إنما سيكون ربًا ومربيًا لو كانت النعمة صادرة منه والأَلطاف فائضة من رحمته ، ولما كان الإيمان أعظم النعم وأجلها وجب أن يكون حصولها من الله تعالى ليكون ربًا للعالمين إليهم محسنًا بخلق الإيمان فيهم .

الفائدة الثامنة: قولنا: «الله» أشرف من قولنا: «رب» على ما بينا ذلك بالوجوه الكثيرة في تفسير أسماء الله تعالى ، ثم أن الداعي في أكثر الأمر يقول: يا رب ، يا رب ، والسبب فيه النكت والوجوه المذكورة في تفسير أسماء الله تعالى فلا نعيدها .

الفصل الثالث

في تفسير قوله { الرحمن الرحيم } ، وفيه فوائد:

تفسير ( الرحمن الرحيم ) :

الفائدة الأولى: الرحمن: هو المنعم بما لا يتصور صدور جنسه من العباد ، والرحيم: هو المنعم بما يتصور جنسه من العباد ، حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال كنت ضيفًا لبعض القوم فقدم المائدة ، فنزل غراب وسلب رغيفًا ، فاتبعته تعجبًا ، فنزل في بعض التلال ، وإذا هو برجل مقيد مشدود اليدين فألقى الغراب ذلك الرغيف على وجهه . وروى ذي النون أنه قال: كنت في البيت إذ وقعت ولولة في قلبي ، وصرت بحيث ما ملكت نفسي ، فخرجت من البيت وانتهيت إلى شط النيل ، فرأيت عقربًا قويًا يعدو فتبعته فوصل إلى طرف النيل فرأيت ضفدعًا واقفًا على طرف الوادي ، فوثب العقرب على ظهر الضفدع وأخذ الضفدع يسبح ويذهب ، فركبت السفينة وتبعته فوصل الضفدع إلى الطرف الآخر من النيل ، ونزل العقرب من ظهره ، وأخذ يعدو فتبعته ، فرأيت شابًا نائمًا تحت شجرة ، ورأيت أفعى يقصده فلما قربت الأفعى من ذلك الشاب وصل العقرب إلى الأفعى فوثب العقرب على الأفعى فلدغه ، والأفعى أيضًا لدغ العقرب ، فماتا معًا ، وسلم ذلك الإنسان منهما . ويحكى أن ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش فيكون كأنه قطعة لحم أحمر ، والغراب يفر منه ولا يقوم بتربيته ، ثم أن البعوض يجتمع عليه لأنه يشبه قطعة لحم ميت ، فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض واغتذى بها ، ولا يزال على هذه الحال إلى أن يقوى وينبت ريشه ويخفى لحمه تحت ريشه ، فعند ذلك تعود أمه إليه ، ولهذا السبب جاء في أدعية العرب: يا رازق النعاب في عشه ، فظهر بهذه الأمثلة أن فضل الله عام ، وإحسانه شامل ، ورحمته واسعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت