الحجة الثالثة: التوبة عبارة عن الندم على ما مضى والعزم على الترك في المستقبل ، والندم والعزم من باب الكراهات والارادات ، والكراهة والارادة لا يحصلان باختيار العبد ، وإلا افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التسلسل ، وإذا كان كذلك كان حصول هذا الندم وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى ، وفعل الله لا يوجب على الله فعلا آخر ، فثبت أن القول بالوجوب باطل .
الحجة الرابعة: أن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم ، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرًا في ذات الله وفي صفاته ، وذلك لا يقوله عاقل .
فأما الجواب عما احتجوا به فهو أنه تعالى وعد قبول التوبة من المؤمنين ، فاذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب ، فبهذا التأويل صح اطلاق كلمة «على» وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله: { إِنَّمَا التوبة عَلَى الله } وبين قوله: { فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } .
إن قيل: فلما أخبر عن قبول التوبة وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع ، فيلزمكم أن لا يكون فاعلا مختارا .
قلنا: الاخبار عن الوقوع تبع للوقوع ، والوقوع تبع للايقاع ، والتبع لا يغير الأصل ، فكان فاعلا مختارا في ذلك الايقاع . أما أنتم تقولون بأن وقوع التوبة من حيث أنها هي تؤثر في وجوب القبول على الله تعالى ، وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق .
المسألة الثانية: أنه تعالى شرط قبول هذه التوبة بشرطين: أحدهما قوله: { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } وفيه سؤالان: أحدهما: أن من عمل ذنبا ولم يعلم أنه ذنب لم يستحق عقابا ، لأن الخطأ مرفوع عن هذه الأمة ، فعلى هذا: الذين يعملون السوء بجهالة فلا حاجة بهم الى التوبة ، والسؤال الثاني: أن كلمة «إنما» للحصر ، فظاهر هذه الآية يقتضي أن من أقدم على السوء مع العلم بكونه سوأ أن لا تكون توبته مقبولة ، وذلك بالاجماع باطل .
والجواب عن السؤال الأول: أن اليهودي اختار اليهودية وهو لا يعلم كونها ذنبا مع أنه يستحق العقاب عليها .
والجواب عن السؤال الثاني: أن من أتى بالمعصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخف ممن أتى بها مع العلم بكونها معصية ، واذا كان كذلك لا جرم خص القسم الأول بوجوب قبول التوبة وجوبا على سبيل الوعد والكرم ، وأما القسم الثاني فلما كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التأكيد في قبول التوبة ، فتكون هذه الآية دالة من هذا الوجه على أن قبول التوبة غير واجب على الله تعالى .
واذا عرفت الجواب عن هذين السؤالين فلنذكر الوجوه التي ذكرها المفسرون في تفسير الجهالة .
الأول: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة ، قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: