{ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين } [ يوسف: 33 ] وقال حكاية عن يوسف عليه السلام أنه قال لأخوته: { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون } [ يوسف: 89 ] وقال تعالى: { يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلاَ تَسْأَلْنِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ هود: 46 ] وقال تعالى: { إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } [ البقرة: 67 ] وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: ياجاهل لم فعلت كذا وكذا ، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية ، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له ، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلا ، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الانسان مع العلم بكونهامعصية أو مع الجهل بذلك .
والوجه الثاني: في تفسير الجهالة: أن يأتي الانسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية إلا أن يكون جاهلا بقدر عقابه ، وقد علمنا أن الانسان اذا أقدم على ما لا ينبغي مع العلم بأنه مما لا ينبغي إلا أنه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات ، فانه يصح أن يقال على سبيل المجاز: انه جاهل بفعله .
والوجه الثالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الانسان بالمعصية مع أنه لا يعلم كونه معصية لكن بشرط أن يكون متمكنا من العلم بكونه معصية ، فانه على هذا التقدير يستحق العقاب ، ولهذا المعنى أجمعنا على أن اليهودي يستحق على يهوديته العقاب ، وإن كان لا يعلم كون اليهودية معصية ، إلا أنه لما كان متمكنا من تحصيل العلم بكون اليهودية ذنبا ومعصية ، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب ، ويخرج عما ذكرنا النائم والساهي ، فانه أتى بالقبيح ولكنه ما كان متمكنا من العلم بكونه قبيحا ، وهذا القول راجح على غيره من حيث أن لفظ الجهالة في الوجهين الأولين محمول على المجاز ، وفي هذا الوجه على الحقيقة ، إلا أن على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه ، أما المتعمد فانه لا يكون داخلا تحت الآية ، وإنما يعرف حاله بطريق القياس وهو أنه لما كانت التوبة على هذا الجاهل واجبة ، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى ، فهذا هو الكلام في الشرط الأول من شرائط التوبة ، وأما الشرط الثاني فهو قوله: { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } وقد أجمعوا على أن المراد من هذا القرب حضور زمان الموت ومعاينة أهواله ، وإنما سمى تعالى هذه المدة قريبة لوجوه: أحدها: أن الأجل آت وكل ما هو آت قريب . وثانيها: للتنبيه على أن مدة عمر الانسان وإن طالت فهي قليلة قريبة فانها محفوفة بطرفي الأزل والأبد ، فاذا قسمت مدة عمرك إلى ما على طرفيها صار كالعدم . وثالثها: أن الانسان يتوقع في كل لحظة نزول الموت به ، وما هذا حاله فانه يوصف بالقرب .