{ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } [ النساء: 17 ] وهذا مشعر بأن قبول توبتهم واجب ، وقال في القسم الثاني: { وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات } فهذا جزم بأنه تعالى لا يقبل توبة هؤلاء فبقي بحكم التقسيم العقلي فيما بين هذين القسمين قسم ثالث: وهم الذين لم يجزم الله تعالى بقبول توبتهم ، ولم يجزم برد توبتهم . فلما كان القسم الأول: هم الذين يعملون السوء بجهالة ، والقسم الثاني: هم الذين لا يتوبون إلا عند مشاهدة البأس ، وجب أن يكون القسم المتوسط بين هذين القسمين: هم الذين يعملون السوء على سبيل العمد ، ثم يتوبون ، فهؤلاء ما أخبر الله عنهم أنه يقبل توبتهم ، وما أخبر عنهم أنه يرد توبتهم ، بل تركهم في المشيئة ، كما أنه تعالى ترك مغفرتهم في المشيئة حيث قال: { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } .
المسألة الثالثة: أنه تعالى لما بين أن من تاب عند حضور علامات الموت ومقدماته لا تقبل توبته قال: { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ } وفيه وجهان: الأول: معناه الذين قرب موتهم ، والمعنى أنه كما أن التوبة عن المعاصي لا تقبل عند القرب من الموت ، كذلك الايمان لا يقبل عند القرب من الموت . الثاني: المراد أن الكفار إذا ماتوا على الكفر فلو تابوا في الآخرة لا تقبل توبتهم .
المسألة الرابعة: تعلقت الوعيدية بهذه الآية على صحة مذهبهم من وجهين: الأول: قالوا إنه تعالى قال: { وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الأن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فعطف الذين يعملون السيئات على الذين يموتون وهم كفار ، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه ، فثبت أن الطائفة الأولى ليسوا من الكفار ، ثم إنه تعالى قال في حق الكل: { أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } فهذا يقتضي شمول هذا الوعيد للكفار والفساق . الثاني: أنه تعالى أخبر أنه لا توبة لهم عند المعاينة ، فلو كان يغفر لهم مع ترك التوبة لم يكن لهذا الاعلام معنى .
والجواب: أنا قد جمعنا جملة العمومات الوعيدية في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 81 ] وأجبنا عن تمسكهم بها وذكرنا وجوها كثيرة من الأجوبة ، ولا حاجة إلى إعادتها في كل واحد من هذه العمومات ، ثم نقول الضمير يجب أن يعود الى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكورات من قوله: { أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } هو قوله: { وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فلم لا يجوز أن يكون قوله: { أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } عائدا إلى الكفار فقط ، وتحقيق الكلام فيه أنه تعالى أخبر عن الذين لا يتوبون إلا عند الموت أن توبتهم غير مقبولة ، ثم ذكر الكافرين بعد ذلك ، فبين أن ايمانهم عند الموت غير مقبول ، ولا شك أن الكافر أقبح فعلا وأخس درجة عند الله من الفاسق ، فلا بد وأن يخصه بمزيد إذلال وإهانة فجاز أن يكون قوله: { أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } مختصًا بالكافرين ، بيانا لكونهم مختصين بسبب كفرهم بمزيد العقوبة والاذلال .