فهرس الكتاب

الصفحة 2121 من 8321

المسألة الخامسة: اعلم أن سوء العشرة اما أن يكون من قبل الزوج ، وإما أن يكون من قبل الزوجة ، فان كان من قبل الزوج كره له أنه يأخذ شيئا من مهرها لأن قوله تعالى: { وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا } صريح في أن النشوز إذا كان من قبله فانه يكون منهيا عن أن يأخذ من مهرها شيئا ، ثم ان وقعت المخالعة ملك الزوج بدل الخلع ، كما ان البيع وقت النداء منهي عنه ، ثم انه يفيد الملك ، واذا كان النشوز من قبل المرأة فههنا يحل أخذ بدل الخلع؛ لقوله تعالى: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } [ النساء: 19 ] .

ثم قال تعالى: { أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْمًا مُّبِينًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: البهتان في اللغة الكذب الذي يواجه الانسان به صاحبه على جهة المكابرة ، وأصله من بهت الرجل إذا تحير ، فالبهتان كذب يحير الانسان لعظمته ، ثم جعل كل باطل يتحير من بطلانه { بهتانا } ، ومنه الحديث:"إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بهته".

المسألة الثانية: في أنه لم انتصب قوله: { بهتانا } وجوه: الأول: قال الزجاج: البهتان ههنا مصدر وضع موضع الحال ، والمعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين . الثاني: قال صاحب «الكشاف» : يحتمل أنه انتصب لأنه مفعول له وإن لم يكن غرضًا في الحقيقة ، كقولك: قعد عن القتال جبنا . الثالث: انتصب بنزع الخافض ، أي ببهتان . الرابع: فيه اضمار تقديره: تصيبون به بهتانا وإثما .

المسألة الثالثة: في تسمية هذا الأخذ «بهتانا» وجوه: الأول: أنه تعالى فرض لها ذلك المهر فمن استرده كان كأنه يقول: ليس ذلك بفرض فيكون بهتانا . الثاني: أنه عند العقد تكفل بتسليم ذلك المهر اليها ، وأن لا يأخذه منها ، فاذا أخذه صار ذلك القول الأول بهتانا . الثالث: أنا ذكرنا أنه كان من دأبهم أنهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر ، فلما كان هذا الأمر واقعا على هذا الوجه في الأغلب الأكثر ، جعل كأن أحدهما هو الآخر . الرابع: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة: { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءاتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } والظاهر من حال المسلم أنه لا يخالف أمر الله ، فاذا أخذ منها شيئًا أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة ، فاذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان ، من حيث أنه يدل على إتيانها بالفاحشة مع أن الأمر ليس كذلك . وفيه تقرير آخر وهو أن أخذ المال طعن في ذاتها وأخذ لمالها ، فهو بهتان من وجه وظلم من وجه آخر ، فكان ذلك معصية عظيمة من أمهات الكبائر ، الخامس: أن عقاب البهتان والاثم المبين كان معلومًا عندهم فقوله: { أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا } معناه أتأخذون عقاب البهتان فهو كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت