فهرس الكتاب

الصفحة 2122 من 8321

{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا } [ النساء: 10 ] .

المسألة الرابعة: قوله: { أَتَأْخُذُونَهُ } استفهام على معنى الانكار والاعظام ، والمعنى أن الظاهر أنكم لا تفعلون مثل هذا الفعل مع ظهور قبحه في الشرع والعقل .

واعلم أنه تعالى ذكر في علة هذا المنع أمورا: أحدهما: أن هذا الأخذ يتضمن نسبتها إلى الفاحشة المبينة ، فكان ذلك بهتانا والبهتان من أمهات الكبائر . وثانيها: أنه إثم مبين لأن هذا المال حقها فمن ضيق الأمر عليها ليتوسل بذلك التشديد والتضييق وهو ظلم ، إلى أخذ المال وهو ظلم آخر ، فلا شك أن التوسل بظلم إلى ظلم آخر يكون إثما مبينا . وثالثها: قوله تعالى: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: أصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال: فضا يفضو وفضاء إذا اتسع ، قال الليث: أفضى فلان إلى فلان ، أي وصل اليه ، وأصله أنه صار في فرجته وفضائه ، وللمفسرين في الافضاء في هذه الآية قولان: أحدهما: أن الافضاء ههنا كناية عن الجماع وهو قول ابن عباس ومجاهد والسدي واختيار الزجاج وابن قتيبة ومذهب الشافعي؛ لأن عنده الزوج إذا طلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر ، وإن خلا بها .

والقول الثاني: في الافضاء أن يخلو بها وإن لم يجامعها ، قال الكلبي: الافضاء أن يكون معها في لحاف واحد ، جامعها أو لم يجامعها ، وهذا القول اختيار الفراء ومذهب أبي حنيفة Bه . لأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر .

واعلم أن القول الأول أولى ، ويدل عليه وجوه: الأول: أن الليث قال: أفضى فلان إلى فلانة أي صار في فرجتها وفضائها ، ومعلوم أن هذا المعنى إنما يحصل في الحقيقة عند الجماع ، أما في غير وقت الجماع فهذا غير حاصل . الثاني: أنه تعالى ذكر هذا في معرض التعجب ، فقال: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الافضاء سببا قويا في حصول الألفة والمحبة ، وهو الجماع لا مجرد الخلوة ، فوجب حمل الافضاء عليه . الثالث: وهو أن الافضاء اليها لا بد وأن يكون مفسرا بفعل منه ينتهي اليه ، لأن كلمة «إلى» لانتهاء الغاية ، ومجرد الخلوة ليس كذلك ، لأن عند الخلوة المحضة لم يصل فعل من أفعال واحد منهما إلى الآخر ، فامتنع تفسير قوله: { أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } بمجرد الخلوة .

فان قيل: فاذا اضطجعا في لحاف واحد وتلامسا فقد حصل الافضاء من بعضهم إلى بعض فوجب أن يكون ذلك كافيا . وأنتم لا تقولون به .

قلنا: القائل قائلان ، قائل يقول: المهر لا يتقرر إلا بالجماع ، وآخر: انه يتقرر بمجرد الخلوة وليس في الأمة أحد يقول إنه يتقرر بالملامسة والمضاجعة ، فكان هذا القول باطلا بالاجماع ، فلم يبق في تفسير إفضاء بعضهم إلى بعض إلا أحد أمرين: إما الجماع ، وإما الخلوة ، والقول بالخلوة باطل لما بيناه ، فبقي أن المراد بالافضاء هو الجماع . الرابع: أن المهر قبل الخلوة ما كان متقررًا ، والشرع قد علق تقرره على إفضاء البعض إلى البعض ، وقد اشتبه الأمر في أن المراد بهذا الافضاء ، هو الخلوة أو الجماع ، وإذا وقع الشك وجب بقاء ما كان على ما كان ، وهو عدم التقرير ، فبهذه الوجوه ظهر ترجيح مذهب الشافعي والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت